الأحد، 15 ديسمبر 2019

إذا الموءودة سئلت.. المرء يتحمل مسؤولية أفعاله

عائشة بلعابيد

سورة التّكوير وعدد آياتها 29 تبدو صغيرة ومهملة بين باقي السوّر الطوال. أول مرّة قرأت “التّكوير” كنت في كتّاب أحفظ القرآن مع الصّغار. لم أفهم منها إلاّ هزة رأس شيخ الكتّاب كلما قرأها وكأنّها تبعث في نفسه شعورا يختلف عما سبقها.

قبل أيام، عدت إلى قصار السوّر، مشدودة بعذوبة صوت عبد الباسط عبد الصّمد، لأنّني مقتنعة أنّ الأمور العظيمة مختصرة غالبا، لا تتطلب تطويلا ولا تفصيلا… هذا الاختصار نفسه ما جعل فيلسوفا كالكندي يعظّم من شأن الإيجاز في القرآن في مقارنته بالخطاب البشري لمّا نسب العجز إلى العقل الإنساني وبيّن استحالة بلوغ البشر مستوى ما جاء في القرآن من إيجاز، مهما أوتوا من فطنة عقل، ومهما اجتهدوا في العلوم العقلية.

تبدأ السورة بجمل شرطية (1- إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ 2- وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ 3- وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ 4- وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ 5- وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ 6-وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ 7-وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ 8-وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ 9- بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ 10- وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ 11- وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ، 12- وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، 13- وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ).

كلّها تبدأ ﺑ”إذا” تحمل فكرة تامة منفصلة لا تحتاج إلى غيرها ليكتمل معناها، جمل شرطية متتالية تشبه المتتاليات الحسابية المتماسكة داخليا، لا يربط بينها إلاّ حرف العطف الأضعف دلالة عند النّحويين “و” لأنّه لا يُفيد إلّا التّعقيب المباشر، وربّما يفيد أحيانا “المعية” عندما يكون السّياق يسمح بفهم تلك المعية.

هذه الآيات بمثابة مقدّمات – في الجملة الشرطية – تصف لحظة نهاية العالم، أو تلك اللّحظة التّي تسبق النّهاية بقليل وتبعث شعور الفناء في النّفس، من تغيّر لأحوال الطبيعة، وغربة الإنسان فوق أرض وفي طبيعة فقدت صوابها وقوانينها، وتتشتت الأنفس، يعزّز هذا الاعتقاد تكرار نفس الأوصاف مرّات عديدة عند الحديث عن النّهاية وقيام السّاعة في سور أخرى بتفاصيل أكثر، بينما في الآيات اللّاحقة والتّي سنعتبرها نتائجا للمقدمات وتصوّرات لجواب الشّرط.

يُفتتح الجواب بتوجيه الخطاب إلى النّفس: “علمت نفس” لينتهي إلى بسط خيارات في خاتمة هادئة مختلفة عن جنون بداية “النهاية – القيامة” وهولها. خطاب هادئ إلى درجة يشعر فيها القارئ أنّه انتقل من حال هيجان كبير ورعب إلى حال أخرى لا علاقة لها بالأولى، حال مؤقت من الهدوء كانّه يمنح بعض الوقت لاختيارات واحتمالات كثيرة. سورة عن نهاية العالم، وفي الأخير سلام مفاجئ، صور قدمت في شكل خطاب مفتوح إلى النّفس.

آيتان شدّا انتباهي وهما تبدوان غير منسجمتين مع باقي النصّ:
“إذا النّفوس زوّجت”، وهو أمر يثير التّساؤل، كيف لهذه الأنفس أن تتزاوج وسط هول نهاية العالم، فجأة تذكّرت لقطة من فيلم تيتانيك (عجوزان على سرير يحضنان بعضها بعضا والسفينة تغرق). لا تدري الأنفس كيف تتصرف أمام أمور عظيمة؛ هل تتشبث بالأمل؟ هل تنخرط تماما وتستسلم للنهاية؟ أم أنّها تقاوم كيفما استطاعت؟ ولكنني أزحت هذا التأويل منذ البداية فلم يكن خيارا أساسيا، بل ذهبت إلى الطّبري أرى كيف فهم هذه الآية فوجدته يشير إلى أمر لم أقتنع به كثيرا. يقول الطّبري: يقصد بها جمع المتماثلين من النّاس، يعني من عمل عملا يدخله الجنّة يجمع بأمثاله، وصاحب النّار كذلك، ويستشهد بآية أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة والسّابقون السّابقون…

لم أقتنع ولكن في غياب إجابة مقنعة مهما كانت يمكن قبول هذا التأويل اللّغوي لما ذهب إليه الطبري. وأمّا الآية الثانية التّي أثارت انتباهي هي التّي تأتي بعدها مباشرة: “وإذا الموءودة “سُئِلَت أو سَأَلَت”، هناك قراءتين واحدة مبنية للمجهول “سُئلت” والأخرى للمعلوم في إحداهما “الموءودة” تسأل وفي الأخرى الموءودة محلّ مُساءلة، مهما يكن من أمر هذه القراءة بالبناء للمجهول أو للمعلوم فسؤالي هو: من هي الموءودة؟

اعتقد وحسب السياق العام للسورة أنّ الموءودة هنا النّفس بشكل عام وليس الأنثى فقط لأنّ المسألة في كل السّورة، متعلقة بالنّفس بشكل ما وليس بالجنس (ذكر أو أنثى)، بل الموءودة هي كل نفس تم إزهاقها. وقد نظرت ثانية في تفسير الطّبري، فلم أجد إلاّ محاولة خجولة منه للإجابة يكرّر فيها نفس الكلام عن دفن بعض العرب لبناتهن أحياء، وعلى غير عادته لا يكثر التّأويل ولا الروايات ولا الكلام ولا النّقل حول المسألة، وكأنّه شعر بحرج ما أو أنّه تفادى الكلام حول الأمر.

كما بحثت من جهة أخرى في شعر العرب فلم أجد شعرا يعزّز هذه الفكرة، ولا في الأثر، قصص حتّى الوهمية منها، فكيف لأمر مماثل وجليل كهذا أن يُهمل؟ لذلك أرى أنّ الموءودة هي النّفس وليس فقط الأنثى، لأنّ القتل بأنواعه من أكثر المواضيع تداولا في القرآن: القتل المشروع عن طريق القصاص والجهاد، والقتل الخطأ وهنا القتل – الذّي لا يكون للإرادة دخل فيه – ولكنّه يكون قتلا عن وعي لكن بدون قصاص في الدّنيا – على ما يبدو –، ثمّ القتل العمدي الذي يخشى القصاص فيه لسبب أو لآخر وهو الذّي تأخّر البحث فيه إلى النّهاية والحشر…

لأن السؤال هنا هو: لماذا يتأخّر القصاص إلى القيامة مادام المشرّع قد وضع حلولا دنيوية لمثل هذا القتل؟ يبدو لي الأمر أكثر انسجاما لو فهمنا الموءودة على أنّها كل نفس تزهق سيتم دون أن يقتص لها في الدّنيا – حسب المنطق القرآني ومن قبله التوراتي – كنوع من التحقيق للعدالة الأخروية التّي سيكون لها دورها داخل استراتيجية الخطاب التشريعي فيما بعد.

في النهاية، تحيلنا سورة التّكوير إلى آيات عن المشيئة، وهو أمر مهم جدا إذا كان البني آدم يشاء معناه أنّه يستطيع الاختيار(27- إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ 28- لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ) على الرّغم من التراجع الفوري في الآية الأخيرة والتّي يمكن فهمها على معنيين أنّها استدراك للتّذكير أنّ الإرادة هذه من جهة الإنسان ومن جهة الله، نجد إرادتان متعرضتان، وهذه الإرادة نفسها ستكون محل نقاش كبير امتد على مدار قرنين بين المعتزلة والفلاسفة وغيرهم من المتكلّمين، ما يهمنا هنا أنّ الصور المقدّمة في بداية السورة ووسطها ونهايتها بمختلف ما تناولته من مواضيع (البعث، نبوءة محمد، الخلاص، المشيئة)، لو أردنا ترتيبها بشكل آخر ستكون النّفس محورا للبعث وعليها تقع كلّ أحكام التكليف، وهي محل البعث وهي المريدة المختارة لما تفعل.

إذن كلّ الأحاديث الجبرية لا معنى لها إذ المشيئة من صفات النفس البشرية ولأجلها يكون التكليف، وهي ممكنة في أدق تفصيل وأخطره وهو مسألة الإيمان بالله، فكيف بباقي الجزئيات؟ هذه الحرية والمشيئة تمنح الإنسان سلاما داخليا بدل الجزع والخوف الذي تولدهما الجبرية القاهرة، وبفضلها وشرطها يستطيع المرء أن يتحمل مسؤولية أفعاله، وخياراته دون التّفكير بأن كلّ ذلك خارج عن إرادته وأنّه لا يمكنه فعل أي شيء.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …