الخميس، 24 أكتوبر 2019

هادي يحمد: لا يمكن تأسيس ديمقراطيّة دون العلمانيّة

حاوره: العائش تركي

هادي يحمد
هادي يحمد

اشتهر هادي يحمد بكتابه “كُنت في الرّقة.. هارب من الدّولة الإسلامية” وصدر له مؤخّرًا “يوم جاؤوا لاعتقالي.. عن السّرية والمنافي وسجن المرناقية”. في حواره مع “نفحة”، يتحدّث الكاتب عن الحريّات الفرديّة في تونس ونظرته للحراك في الجزائر.

  • تُعالج في آخر إصدار لك قضيّة الحرّيّات الفرديّة في المجتمع التّونسي. كيف يمكننا تصور هذه الحرّية؟
  • هادي يحمد: مصطلح الحريّة متعدّد الأبعاد، عندما نتحدث مثلاً عن الحريّة في سياقها السّياسي، نتحدّث عن الحريات العامّة التي كانت في فترات متعدّدة مقموعة بشكل أو بآخر. الحرّيات السياسيّة في العالم العربي والمغاربي بصفة خاصّة، كانت مضروبة حتّى بداية القرن الجديد، حيث ظهرت بعض البوادر للتّفتّح، في تونس مثلاً وفي المغرب إلى حدّ ما، لكن بقيت في إطارها الرّسمي.

وضع الجزائر يختلف تمامًا كما نعرف، لأنّها عاشت محنًا مختلفة، وفي الحقيقة كانت السّبّاقة في طرح مسألة إرادة الشّعوب، لأنّ الانتفاضة التي وقعت في الجزائر في 1988، التي أسفرت عن أول انتخابات ديمقراطيّة في الجزائر وفي العالم العربي مُهّمة للغاية، لكن للأسف الأمور تطوّرت وأخذت منحى آخر.

الجانب الآخر من الحرّيّات أصعب بكثير، وهو الذي تَحدّثت عنه في كتابي “يوم جاؤوا لاعتقالي”، ويخصّ الحرّيات الفرديّة. هذا الملفّ معقّد وأظنّ أنّه أصعب حتّى من اقتلاع الحرّيّات العامّة، لأنّه قد يسهل في المستقبل نسبيًّا أن تنجز انتخابات ديمقراطيّة في تونس أو الجزائر أو في منطقة أخرى في العالم العربي وتمنح التّعدّديّة للأحزاب وتفتح الفضاء العمومي، وتُنشأ هيئات مستقلّة للإشراف على الانتخابات.

المربع الأصعب في مسألة الحريّة هو ما يسمى بالجيل الثّاني في حقوق الإنسان، الذي يُعرف بالحرّيات الفردية، هي العقدة الأصعب حتّى بالنّسبة للتّجربة التونسيّة ونحن بلغنا أشواطًا كبيرة، لكن تبقى هي الأصعب، لأن الحريات الفرديّة تمسّ النّمط الاجتماعي والثّقافي والدّيني السائد.

نظرة المجتمع للأفراد بقيت نظرة ثقافيّة، لأن مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة، تنظر إلى الفرد كجزء لا يتجزأ من المجموعة، ولهذا ما سيُظهر حقيقة أي ديمقراطيّة في هذه المنطقة مستقبلاً هي الحريّات الفرديّة.

كتاب ” يوم جاؤوا لاعتقالي” هو كشف للمستور في المجتمع التّونسي الذي يتبجّح اليوم أنّه استثنائيّ، وفي حقيقة الأمر، حتّى الأشخاص المغايرين جنسيًّا مثلاً – هنا المثليّة الجنسيّة قضيّة عامّة في العالم العربي ليست خاصّة بتونس – مقموعين، وبعضهم اليوم لاجئ في أوروبا.

مفارقة عجيبة هذه الثّورة التي جاءت بالإسلاميّين من منافي أوروبا ومنحتهم الحريّة وأوصلتهم إلى السّلطة، وألقت بشريحة أخرى من المجتمع إلى اللّجوء، كيف يمكن أن نسمّيها ثورة؟ هذا لا يعني التّشكيك في الثّورة، لكن الحريّة للجميع أو لا تكون.

  • كلّ الشّهادات التي وردت في تحقيقك الصّحافي الأخير والتي ترجمتها إلى مؤلّف تحت عنوان “يوم جاؤوا لاعتقالي.. عن السّرية والمنافي وسجن المرناقية” تنقل معاناة أفراد لاختلافهم عن بقيّة المجتمع. هل يُعتبر الاختلاف جريمة في تصور الذهنيّة العربيّة؟
  • طبعًا، هنا تكمن المُفارقة العجيبة. في الوقت الحالي يعتبر الاختلاف جريمة. نحن في الظّاهر نُدافع عن الاختلاف، لكن عندما يتعلّق الأمر بقضايا لها ارتباط بالذّهنية العميقة وبالتّصور الدّيني للأشياء أو حتى بالتّصوّر الاجتماعي والأخلاقي نتنكّر للاختلاف، بعبارة أخرى، نستعمل الاختلاف وقت ما نُريد. نحن ندّعي أنّنا مع حريّة الرّأي والتّعدد، لكن هذا التعدّد عندما يمسّ ولو قليلاً من الذّهنيّة الاجتماعيّة والدّينيّة يصبح محرّمًا أو من التابوهات.

اليوم نعيش أمام فرصة حقيقيّة من أجل إعادة الاختلاف الجوهريّ ومسائل الحرّيّات الفرديّة للواجهة، لأنّنا وصلنا في اعتقادي إلى نفق مظلم، لهذا جاء مشروع الكتاب.

برأيي، محاربة البطالة أو توفير الشّغل والحدّ من التّهميش، لا يتنافى مع إعطاء الحريّة للإنسان، بالعكس، الطّاقات المختزنة في أي فرد تتحرّر عندما يُعطى حريّته. لمّا يشعر الإنسان أنّه مختنق ومُضّيق عليه في حريّته، يصبح الجانب المادّي ووضعيّته الاجتماعية لا تعني له شيئًا، حينها يبدأ رحلة البحث عن فضاء آخر.

  • نلحظ من جهة ثانيّة، أن جُلّ المآسي التي تعرّض لها هؤلاء الأفراد مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقضايا دينيّة وعقائديّة. برأيك، لماذا غالبًا ما يُستعمل الدّين كذريعة للاضطهاد؟
  • لا أظنّ أنّ الأديان – بصفة عامّة – مع أو ضدّ حريّة المعتقد، معاديّة أو مشجّعة لها، بل نستطيع أن نقدّم قراءات للدّين، والقراءة السّائدة اليوم في المساجد أو في الخطاب الدّيني الرّسمي، للأسف تُصادر الحرّيات.

عندما نتكلّم عن الإسلام مثلًا، الكثير من الأحاديث تستخدم في ضرب الحريّة والدّعوة إلى الأحاديّة، والحال أنّها غير صحيحة. نفس الشّيء بالنّسبة للنصوص، لماذا يتّم التّركيز أحيانًا على الآيات التي تنبذ المختلف؟ بينما نجد في نفس النّص القرآني آيات تدعو إلى الاختلاف وتمنح التّعدد وحرية المعتقد، والأمثلة تطول: “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، “وجعلناكم شعوباً وقبائلاً لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم”، “لست عليهم بمسيطر”، يعني مستبدّ وحارس للعقيدة. كل هذه الآيات وغيرها تدعو إلى التّعدد.

النّص القرآني متعدّد ونجد في طيّاته آيات تدعو إلى الحرب وللقتال، وآيات قد يفهم منها تهميش للمختلف، مثلما هو الحال مع الآية التي تقول: ” إنّ الدّين عند الله الإسلام”. قد يفهم منها عدم إمكانية التّعايش مع الأديان الأخرى، لا يجب التّوقف عند حرفية النّص، بل قراءته التأويليّة هي التّي تُوصلنا إلى الجوهر وتُؤسس إلى الأحكام. أنا من الذين يرون أن ثمّة إمكانية لتقديم قراءة جديدة تنويريّة للنّصوص، لأنّه لا يمكن التّخلي كليًا عن هذا النّص.

النّص القرآني هو نص مقدّس يُتعبّد بتلاوته في الصّلوات ويستخدم في العبادات، لكن كلّ الأحكام والنّصوص التي تتعلّق بالحياة العامّة من الجانب التّشريعي، والتي جاءت في سياق تاريخيّ معيّن، لم تعد صالحة لهذا الزّمان، مثل آيات الحدود، كقطع يد السّارق ورجم الزّاني وآيات السبي الموجودة في القرآن.

وبهذا أنا ضد مقولة “الإسلام صالح لكلّ زمان ومكان”، لأنّ صلاحية النّص تبقى تعبّدية، وبالتّالي أرى من هذه الزاوية، أن المسألة محسومة. النّص في حدّ ذاته لا يُشرّع للحرّيّات الفرديّة، لكن تأويله وفهمه بطريقة عصريّة، يُظهر أنّ الإسلام ليس له مشكلة مع مسألة المعتقد، أن تكون يهوديّاً أو نصرانيًّا أو بهائيًّا، أو حتّى مجوسيًّا هذا شأنك. نفس الأمر بالنّسبة للمثلية، ثمّة قراءة تأويليّة لألفة يوسف تقول بعدم وجود عقاب للمثليّة الجنسيّة.

  • حدّثنا عن كتابك ” كنتُ في الرّقة.. هارب من الدّولة الإسلاميّة”، الذي لاقى رواجًا لافتاً.
  • “كنت في الرّقة” جاء بعد كتابي الأوّل “تحت راية العُقاب”. جاءت الفكرة، بعد اهتمام كبير بظاهرة الإسلام السّياسي وتحديدًا بالسّلفية الجهاديّة. كنت قد اشتغلت في كثير من التّحقيقات حول تواجد تونسيين في غوانتنامو، وقضيّة الإرهاب ما قبل الثّورة المعروفة بحادثة معبد “الغريبة” في جزيرة جربة، واهتممت كذلك بالظّاهرة الإسلاميّة في الجزائر في فترة معيّنة.

سبق أن اتصلت بكثير من العائلات ممن ذهب أحد أفرادهم للقتال مع داعش، فلم أنجح في العثور على شهادة، إلى أن تبادر إلى سمعي أنّ العشرات من التّونسيين هربوا من ذلك التّنظيم في تلك الفترة، نحو اتجاهات مختلفة من بينها تركيا، فأثارني الموضوع. بعد بحث مطوّل اكتشفت سبب هروبهم كان يتمحور حول خلاف عقائدي بين تيّارين داخل داعش، وهذا الأمر لم يثر اهتمام وسائل الإعلام.

حدّدت وقتها المكان والشّريحة المستهدفة وبعد جُهد طويل، عثرت على هذه الشّهادة عن طريق مواقع التّواصل الاجتماعي، وبدأت التّخاطب مع هذا الشّخص الذي لم أكن أعرف اسمه ولا هويته في البداية، تحادثت معه مطوّلاً وخُضنا نقاشات عميقة.

بعد عودتي إلى تونس أقنعته بفكرة الكتاب، لكن في الأوّل، كان الأمر بالنّسبة لي، لا يعدو أكثر من شهادة صغيرة في كتاب، لكن بعدما علمت تفاصيل قصّته، اقتنعت بضرورة تحرير كتاب كامل عن هذه الشّخصية، لم يكن بطبيعة الحال قيادياً أو أميرًا، لكنّ مساره الفّكري والحياتي (كيف أصبح جهاديًا، كيف دُفع به للتّطرف…) شجّعني على فكرة إنتاج سرديّة لتجربة هذا الشخص. التقينا في تركيا، بعد احتياطات أمنيّة طبعًا، وخضت معه حوارات مطوّلة في أمكنة عدّة بمدينة إسطنبول. أنجزت الكتاب وأكملت عناصره الأولى في نزل صغير بنفس المدينة، ثم عدت به جاهزًا بمادّته الأوليّة إلى تونس.

  • وراء شخصية محمّد الفاهم، يتجلّى صراع جدليّ قد يقع فيه كل شخص، وذلك بين صحوة الضّمير وغلبة العقل التي تَحتكم إلى الموروث الدّيني دون مُساءلة. هل يمكن في هذه الحالة أن ينظر للدين كأيديولوجيّة؟
  • أكيد، أو يستعمل كأيديولوجية إن صحّ التّعبير. الحركات الإسلامية استعملت الدّين كأيدلوجية، وهذا في الحقيقة جوهر مشروعها. الدّين هو أمر مُشاع، كما يقول سيغموند فرويد: “الدين حاجة إنسانيّة”، وكان أحد الفلاسفة يقول: “لو لم يكن الله موجودًا لخلقناه”، لأن طبيعة الإنسان تحتاج لحماية في حالات ضعفه أو وهنه أو حتى في مرضه، فيخرج من الحماية العائلية أو الأبوية وهو صغير، ويستغني بذلك عن الحاجة العائليّة – بمعنى الحامي – ليستند في مرحلة نضجه إلى قوة دينيّة أو إلاهيّة تحميه.

كلّ منّا متديّن بطريقته، لكن الحركات الإسلاميّة وظّفت هذه الحاجة الإنسانيّة كأيديولوجيّة، وحوّلت الدّين من علاقة فرديّة عموديّة بين الإنسان وخالقه، إلى مفهوم جماعي، يفرض تصورًا متطابقًا للمجتمع، ويستوجب تحكيم شرع الله في الأرض باسم البشر وإلا سيحلّ غضب الإله.

  • بصفتك صحفيًا تونسيًّا، ما تعليقك على التّطورات السّياسيّة الجارية في الجزائر؟
  • ما يقع في الجزائر، حدث لا يمكن إلاّ أن يُستبشر لمستقبله، هذه إرادة الشّعوب في التّحرر، وفي أن تحكم وتختار حُكّامها. وقعت من قبل أحداث مشابهة، سواء في الجزائر أو حتّى في العالم العربي، ولكن دائمًا ما كنّا نترقّب الآتي أو بالأحرى نتخوّف من الآتي، أي أن تسطوا أطراف معيّنة على هذا الحراك، وهنا لا أقصد أن التّاريخ سيُعيد نفسه، لأن التّاريخ لا يُعيد نفسه إلا في شكل مهزلة.

هناك ثقة أنّ الجزائريين، سيمضون بعيداً في ثورتهم، طبعاً هذه الثّورة يجب ألا تُستثمر في الدّين – ليس من باب إعطاء الدُّروس – لكن أخذاً بالتّجارب الّتي وقعت في العالم العربي، يجب أن تكون ثورة فاتحة للحريّات، بما فيها الحرّيات الفرديّة، نعلم أن الطّريق لا يزال طويلًا، لكن في كلّ الحالات، وطالما بقي هذا الحراك سلميًا، وتجاوبت السّلطة حتى ببطء أحيانًا، لا يكمن إلا أنّ نستبشر بما يقع في الجزائر.

  • هل تعتقد أن المجتمع الجزائري مهيّأ لتحقيق مشروع الدّولة العلمانّية؟
  • هناك فهم سيّء لمفهوم العلمانيّة في العالم العربي، يجعل الشّعوب أو حتى بعض الأفراد المثّقفين يخافون من هذه الكلمة. العلمانيّة في نهاية الأمر هي فكرة راقيّة جدًا، لأنّها تمنح الحريّة للجميع، حريّة الاختيار. بعض الإسلاميّين عندما هربوا من بلادهم، وجدوا العلمانيّة تحتضنهم في الغرب، وعاشوا وبنوا مساجدهم هناك، ونشروا الإسلام على طريقتهم.

العلمانيّة تمنح الحريّة للجميع، للمؤمن ولغير المؤمن هذا المعنى الحقيقيّ للعلمانيّة، فهي لا تُقصي ولا تعادي الدّين.

العالم اليوم، يُقاد من طرف العلمانيّات الكبرى، ولذلك لا يمكن تأسيس ديمقراطيّة حقيقيّة دون العلمانيّة، هذا الفهم الذّي لم تصل إليه الكثير من الفئات العربيّة، أن تذهب إلى الكنيسة أو تذهب إلى المسجد أو إلى الخمّارة، هذا شأن لا يعني الدّولة، هذا ما يصعب فهمه، أنّ الدّيمقراطيّة نتاج للعلمانيّة.

وهنا نعود لمسألة الأيديولوجيّة والحركات الإسلاميّة التي شوّهت العلمانيّة وجعلتها معاديّة للدّين. فعندما أقول أنّني أتطلّع لدولة مدنيّة، علمانيّة في الجزائر، هي أن أقول بشكل آخر، أريد دولة حرّة، أن يكون الجزائريون، سواسية أكانوا مسلمين أو غير مسلمين، أمازيغًا أو عربًا أو إباضيّة، على القدر نفسه من المُساوات.

في المقابل، كل التّجارب أثبتت فشل المشروع الإسلامي المعادي للعلمانيّة، فما وقع في العالم العربي من تنظيم الإخوان المسلمين إلى داعش، كلّها تجارب فاشلة. فلا يمكن أن تحكم دولة أو أفراداً باسم الدّين، وتقول لهم صلّوا وصوموا أو حرّموا وحلّلوا. فعندما أقول أنّني أنتصر لدولة ديمقراطيّة علمانيّة في الجزائر، أعي ما أقول، لأنّني مُتيّقن أن هذه البلاد تستحقّ أن تتحرّر من سطوة السّلطة غير المنتخبة، ثم أن تتحرّر من سطوة التّيارات الدّينية التي تريد أن تُعيد وتكرّر مآسي الجزائريين.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا