الجمعة، 23 أغسطس 2019

الحراك يفتح العلبة السّوداء للنّظام

احميدة عياشي

ظلّ الجنرال محمد مدين، لوقت طويل، تجاوز العشريتين، أيقونة في أوساط السّياسيين ورجال الإعلام وفي مخيّلة جيل النّاشطين.

اكتسب “توفيق”(كما يلقّب) كلّ تلك المسحة الأسطورية من صمته وتحرّكه في الخفاء وقدرته على تحويل جهاز الاستخبارات إلى قوة متعاظمة، تحكّمت في مفاصل الحيوات السياسية والمالية والعامّة، وأمست القوة الخارجة عن كلّ سيطرة، تصنع الرّؤساء وتسهم في توجيه الأحداث إذا ما لم تتمكّن من صناعتها في الأساس.

وازداد جهاز الاستخبارات شدّة وهيمنة أثناء الحرب الأهلية التي سيطرت على سنوات التسعينات، فتغلغل داخل عائلات الجماعات الجهادية وتمكّن من إدارة اللعبة الإرهابية التي باتت جزءا من اللعبة السياسية الشاملة ومن حياة الجزائريين.

أصبح لجهاز الاستخبارات إسلاميوه وأئمته وفي الوقت نفسه رجال مقاومته وله أبطاله ومنظريه وشعبه الذي جعل من توفيق صورة أقرب إلى الأسطورة حتى أن البعض كان يتساءل إن كان توفيق حقيقة أم صناعة خيالية!

لم تكن لتوفيق في وسائل الاعلام صورا متوفرة وهذا ما جعل صورا قديمة له تضفي على وجوده قداسة خفية كانت تساهم في نشر خوف جعل السياسيين يتلعثمون في نطق اسمه، بل كل ما أصبح معروفا عنه، أنه يدخن السيجار، ليصبح السيجار مرادفا لاسمه، مثل “صاحب السيجار”.

لم يكن من المحسوبين على قدامى الجيش الاستعماري الفرنسي مثل الجنرالات بلخير ونزار ومحمد العماري وغزيل، ولم يعرف عنه ماض في المؤسسة الأمنية، أهم منصب تحصل عليه كان ملحقا عسكريا بالسفارة الجزائرية في ليبيا وموظفا في خلية الأمن والوقاية برئاسة الجمهورية في عهد الشاذلي بن جديد.

ويعود الفضل في صعوده إلى مركز مدير جهاز الاستخبارات إلى صانعه وحاميه العربي بلخير. ويذكر من عرفوه واشتغلوا معه أنه لم يكن يوما صاحب مبادرة أو رأي واضح وشجاع، بل كان في غالبية الأوقات سلبيا ويتخذ موقعه إلى جانب من تميل نحوه الكفة. وذلك ما حدث عشية رحيل الشاذلي الاضطراري عن السلطة قبيل إيقاف المسار الانتخابي، لم يكن توفيق رجلا قويا إلا في ظلّ قوة الآخرين مثل نزار وبلخير والعماري. لكن هذا التموقع الانتهازي مكّنه من بسط قوّته وكسب حلفاء متملقين وأتباع داخل المؤسسات وخارجها.

كان يسعى إلى حسم صراع التسعينات، بشكل معقد وبرغماتي، وظّف العلمانيين واليساريين لصالحه باسم إنقاذ الجمهورية. لكنه في نفس الوقت قصّ أجنحتهم كي لا يصبحوا من ذوي النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وذلك بتوظيف الإسلاميين الشرعويين لصالحه.

ثم اشتغل على تعميق التناقضات داخل معسكر حلفائه، حيث حال دون تشكل قطب ديموقراطي، ودن وحدة داخل الوطنيين المحافظين، أفالان – أرندي، وزرع النزعة التآمرية داخل الأحزاب دون استثناء ليُجرّدها في النهاية من صدقيتها.

أحدث انشقاقات خفيّة داخل قيادة الفيس، التي تم إطلاق سراحها، وشيطن بلحاج، وتحالف مع مزراق ضد دعاة الحلّ السياسي من رجال الفيس، وتحالف مع بوتفليقة عندما اقترح بلخير خيار رجل مدني ليخلف زروال، عام 1999. لينقلب على رفاقه بعد العهد الأولى، منهم العماري الذي دفعه نحو الاستقالة. ثم انقلب على بلخير قبيل العهدة الرابعة عندما ساءت علاقة بوتفليقة وشقيقه السعيد ببلخير الذي مات مريضا ومعزولا.

ورغم أن توفيق وقف بقوة بجانب بوتفليقة لعهدة رابعة، إلا أن شقيق بوتفليقة السعيد الذي لم تكن علاقته بتوفيق جيّدة كون هذا الاخير لم يكن ينظر بعين الاحترام للسعيد، تمكّن من إبعاد توفيق بمساعدة قوية من القايد صالح الذي كان يشعر أنه تعرض للظلم من طرف مجموعة بلخير، وكان توفيق أحدهم.

ما هي مآخذ صالح على توفيق؟

يعتقد القايد صالح أن توفيق هو من وقف وراء تلطيخ سمعته طيلة سنوات، ومنها إتهامه بالفساد، في جميع أشكاله من خلال الكلام الذي كان ينشر في الصالونات عن القايد صالح.

ويعتقد محيط القايد صالح أن المسألة أيديولوجية في الأساس، فالقايد ذو توجه عروبي واختلط بجيل من المعربين الذين يشعرون أنهم أبعدوا من مجموعة الضباط المفرنسين المحسوبين على أوساط فرنسية مؤثّرة، بالإضافة الى انحدار معظمهم من الجيش الفرنسي والتحاقهم المتأخر بجيش التحرير باستثناء توفيق الذي لم يكن قد انضم الى الجيش الفرنسي الاستعماري.

لكن خلف الواجهة الأيديولوجية تُثار النزعة الجهوية. ويكون بوتفليقة ثد ركز على خلفية هذا النزاع عندما استقر قراره على إنقاذ القايد ووظّف غضبه وحرمانه وشعوره بالإهانة ليجعل منه حليفا على المدى الاستراتيجي. وذلك ما تحقّق لبوتفليقة عندما اعتراه المرض، ووجد في وفاء القايد نعم الحليف الذي وقف بجانبه في العهدة الرابعة بل وحتى الخامسة قبل أن يطفو إلى السّطح معطى الشّارع الذي قلب اللعبة رأسا على عقب.

اعتمد السعيد بوتفليقة على القايد في تصفية جيوب توفيق وفي إبعاد توفيق من دائرة صناعة القرار، وكان السعيد يتصور أنه بإمكانه التخلص من القايد ما أن يصفى له الجوّ، ولم تعد المسألة سوى قضية صبر ووقت.
اقترح السعيد على القايد منصب وزير دفاع مدني مقابل التّخلي عن منصب رئيس هيئة الأركان. لكن هذا الأخير انتبه إلى مكر السعيد فرفض العرض، سعى القايد إلى خلق ذراع سياسي متمثلا في أفالان سعداني وذلك تحضيرا للحظة تمكنه من ان يصبح “سيسي الجزائر”، لكن هذا المخطط سرعان ما سقط وأبعد سعداني من على رأس الأفالان ليعوّض بولد عباس ثم ببوشارب الذي كان سيمهد منصب الأمين العام في جويلية القادم لشقيق بوتفليقة السّعيد.

ثورة 22 فيفري وخلط الأوراق

أعدت الزّمرة الرّئاسية خطّة العهدة الخامسة بمباركة الإليزي، لم يجد القايد أي جدوى في معارضتها، فأظهر ولاءه لأنه كان يعلم دعم باريس لها، وكانت ستتم على مرحلتين، الأولى يكون بوتفليقة رئيسا للدولة، ثم يعلن عن انسحابه بسبب المرض ويتم التمديد، وتقديم خطّة إصلاحات تمهّد لخلافته من قبل السعيد بعد المرور على مرحلة انتقالية تقدم شقيق الرئيس على أنه رجل إصلاحات عميقة، وهو نفس السيناريو الذي كان يطالب به الغرب في ليبيا في تقديم سيف الإسلام وتنحي القذافي قبل انفجار الأحداث في طرابلس.

ومثل هذا اليقين في تطبيق الخطة جعل السعيد يلجأ إلى نفس الفريق القديم من السياسيين الذين روّجوا للعهدة الرابعة، وعقدت صفقات قبيل ذلك مع وسائل الإعلام التي كان مغصوب عليها، وتم دعمها ماليا والوعد بمحو ديونها.

لكن ما حدث في 22 فيفري، زعزع الخطّة من أساسها وأربك النظام بعصبه المختلفة والمتنازعة مما فجر بعض صراعاتها الداخلية انطلاقا من تموقعاتها الجديدة.

اعتقد السعيد أن التّضحية ببعض الوجوه المنبوذة قد يخفف من حدّة الغضب، لكن لم تنفعه تنحية أويحي وحكومته أمام التطور المتسارع لحركة 22 فيفري التي سرعان ما تحوّلت إلى عملية ثورية شاملة، شعبية وسلمية. ووضعت النظام أمام نفسه ووجها لوجه، مما أفرز صراعات جديدة وتموقعات جديدة.

اختار القايد صالح أن يوظّف ورقة الشارع لصالحه، وحاول أن يدخل على الخطّ مباشرة في تفاوض مع الفرنسيين إلا أنهم فضلوا الإبقاء على علاقتهم مع عصبة شقيق الرئيس وحلفائه من رجال المال وقدامى رجال توفيق الذين قدموا شروطهم في التحكم في الوضع مقابل إعادة الاعتبار لتوفيق ورجاله والتضحية بالقايد الذي قد يصبح في نظرهم رجلا لا يمكن التحكم في طموحاته وخرجاته.

خيانات وخيانات مضادّة؟ 

أدى تحول حركة 22 فيفري إلى ثورة إلى تحوّلات سريعة داخل النظام، لكنها عجزت في احتواء السلمية التي لفتت نظر العالم إليها وكسبت إعجاب الكثيرين في الخارج بها، بسبب طابعها السلمي الاستثنائي في ظلّ التجارب الأليمة للثورات العربية التي تحوّلت إلى حروب أهلية ومآسي إنسانية.

انفجر الصراع داخل معسكر المؤيدين للعهدة الخامسة، وتطايرت أطرافه بسرعة لافتة، تمزق داخل قيادة الأرندي، نزاع داخل الأفالان، و تصادم بين زمرة السعيد والقايد الذي رفض الانصياع لشقيق الرئيس بعد إقباله على كسب ود الشارع ضدّ من أطلق عليهم وصف العصابة.
انتبه شقيق الرئيس إلى مناورات القايد الذي أراد انتهاز هبّة الشارع ليحسم صراعه الذي طال مع زمرة السعيد، ما جعل هذا الأخير يسارع في التفكير في مباغتة رئيس هيبة الأركان، ففتح جسر الحوار مع توفيق الذي وجد أن الوضع أصبح متاحاً للعودة من جديد إلى الساحة.

قام السّعيد بإقالة المدير العام للتلفزيون توفيق خلادي، وهو يساري سابق في حزب الطليعة ومدير مكتب وكالة الانباء سابقاً في بلجيكا، ورئيس قسم الاعلام برئاسة الجمهورية في عهد بوتفليقة قبل إقالته، ثم تعيينه مديرا للإذاعة ثم على رأس التلفزيون.. وهو إلى جانب ذلك كان من رجال توفيق قبل الانقلاب عليه والانضمام إلى جماعة السعيد..

خلال اندلاع النّزاع على المكشوف بين القايد والسعيد، يكون توفيق خلادي قد أعطى موافقته لأن يكون ضمن أوفياء القايد، وهذا ما ترك السعيد يلجأ إلى تابعه الذي كان مديرا للأخبار سابقا في التلفزيون الجزائري وعضوا منصبا من قبل السعيد في لجنة ضبط السمعي البصري..
كان السعيد مطمئنا إلى تابعه لطفي الشريط الذي كان أمين بعض أسراره، وهذا ما جعله يعينه قبيل الحملة الانتخابية التي كان المزمع انطلاقها كمدير لقناة “الاستمرارية” التي كانت ستكون الآلة الدعائية للحملة الانتخابية للعهدة الخامسة..

اعتقد السعيد أنه وضع يده على رأس التلفزيون العمومي، لكن لطفي الشريط الذي وجد نفسه بين ناري السعيد والقايد، اختار أن يخون الرجل الذي خدمه منذ 20 سنة، عندما اختار بين أن يذيع بيان إقالة القايد أو الاعلان عن تنحية بوتفليقة. اختار إذاعة بيان القايد صالح، وكانت هذه أول خيانة تعرض لها السعيد قبل أن تتوالى الخيانات من قبل مدراء وسائل الإعلام الذين قدموا له ولاءاتهم ثم انزاحوا إلى مظلة القايد صالح.

تمكن السعيد من فرض رجاله في الحكومة التي خلفت حكومة أويحي، ووجد بعض رجاله أنفسهم ملاحقين من طرف القايد مثل رجل الاعمال علي حداد.. اتّصل القايد ببوتفليقة وأبلغه أنه سيحافظ على حمايته إلى النهاية لكنه لم يقدم ضمانات لعائلته، بالأخصّ شقيقيه.

صراع ضدّ النّظام أم صراع عصب؟

هل القايد يمثل قوة باعتباره على رأس المؤسسة العسكرية، أم هو فقط يُعبر عن قوة منظمة داخل المؤسسة العسكرية وأنه جزء رمزي منها وليس رجلها الأوحد والقوي؟ تكشف تذبذبات مواقف القايد من الهبّة الشعبية أنه ليس الصانع الوحيد لميزان القوة بل يشكل الوجه الظاهر لقوة تمتلك صناعة القرار في ظل تداعيات ثورة 22 فيفري، وهذه القوة لا تريد العودة إلى الولاء لشخصيات خارجها، كما أن ترفض أن تصبح رهينة توفيق الذي تمكّن لوقت من بسط نفوذه وقوته ويتحكم في مصير أفرادها ومستقبلهم.

ويدرك هؤلاء أن القايد لا يمكن ان يتصرف دون العودة إليهم، وإلا فلن يتمكن من الصمود أمام خصومه التقليديين الذين لازالوا يحافظون على نفوذهم داخل مؤسسة الجيش والمؤسسة الأمنية ومؤسسات الدولة.

واكتشف القايد ان الشارع قد يكون سنده في حسم معركته ضد عصبة السعيد – توفيق، مقابل تقديم تنازلات لصالح الثوّار، الذين لا يشعر تجاههم بالاطمئنان لاعتقاده أنهم مخترقين من قبل رجال توفيق.

وما يلاحظ أن القايد لم يتعرض بشكل جذري إلى النقد من طرف المحتجين باستثناء أقلية، ويعود ذلك ان المنخرطين يفضلون عدم فتح جبهة غير مفيدة ضد الجيش لأنه في النهاية يظلّ الجيش قوة حليفة لمرافقة الانتقال إلى نظام جديد عندما يلتزم بمهامه الدستورية، دون التورّط في مستنقع الصّراع على السلطة.

ويعتقد أنصار الثّورة السّلمية الشّعبية أن المعركة الحقيقية هي في سبيل التخلّص من نظام أعلن إفلاسه. وبالتّالي هي معركة تتجاوز لعبة الصراع بين العصب، وذلك ما لم يتمكّن القايد صالح وخصومه من تجاوزه.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …