الخميس، 18 أبريل 2019

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود

هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، تهمس، تحلّل في الفراغ، تتنبأ، تشرب أو تحلم. في المدينة كما في القرية. جماعات أو بينك وبين نفسك.

إنها رواية اللغز البوليسي الجزائرية، رواية بوليسية من الأساس، مفتوحة، لا نهاية لها وبداياتها مضطربة وذلك منذ الاجتماع الأوّل من أجل تحرير البلد. هي رواية مرتبطة بقانون هذا الجنس الأدبي: نجد فيها القتل، التحقيقات، التعقبات، الشكوك، الجرائم والحقائق، السلطة الظاهرة والسلطة الباطنة، الأقنعة والأحرف، نساء الشؤم وأجداد دون جدوى، الأسلحة والشعارات.

ولأن لا مسألة الشرعية السياسية، ولا مسألة التاريخ ولا مسألة العلاقة مع القانون أو قوّة القانون لم يُفصل فيها بعد، فإنّنا دائما ما نعود إلى قصّة هذه الرواية البوليسية الجزائرية، حيث يُطرح سؤال: “من يقتل من؟”، “من خان من؟”، “من هو المالك الحقيقي للأشياء ومنذ متى؟”.

هذه الرواية كتبها واحد من صحفيي وكتّاب جيلي وهو واحدٌ من أكبر المتتبعين للمشهد الوطني. اختار لروايته عنوان “1994” (دار البرزخ) ونجد في هذه “الرواية البوليسية” الوطنية مزيجا من “المخابرات”، التّاريخ القديم، الجثة الحديثة والصّمت والخوف. كل مكوّنات المخيال الجزائري منذ حرب التحرير إلى الحرب القذرة وإلى الحرب المتعبة ليومنا هذا.

كانت 1994 سنة مفصلية، “بيضاء”، فارغة ومغيّبة من الذاكرة: لا نريد تذكّرها اليوم باسم النسيان أو باسم المصالحة، لكنها كانت تلك السنة التي غابت فيها الجزائر عن الوجود لبضعة أشهر. الإرهاب، “المخابرات”، التعذيب، الجثث، الحب والبيريطا في اليد وفي القلب. بهذه الطريقة يمكننا تلخيص الأمور إلا أن كلّ جزائري بمقدوره تلخيصها كلّ على نحوه حين يفتح ذاكرته ويتحدث من جديد عن هذه السنوات المظلمة والتي غابت عنها الشمس. كل فرد منا عاش “الرواية البوليسية الوطنية” في قريته، في حيّه أو في الأحياء الراقية للجزائر العاصمة. كثيرا ما تحدثنا عنها وكذلك نفعل إلى الآن. لا أحد بإمكانه الهرب: لا رئيس الجمهورية الذي أُردوا قتله بطلقة في الظهر، أو دُفع دفعا إلى الاستقالة أو إلى جنون العظمة، ولا ذلك الراعي من غليزان والذي سيجد نفسه يختار بين المظاهر والأشياء الخفيّة، بين الجبل والثكنة، بين التاريخ والاعتراف، بين الفرعون والأمير. كل رواية جزائرية هي إمّا رواية بوليسية أو رواية مرتبطة بالذاكرة أو بالتاريخ. نتحدّث فيها عن جثة نحملها فوق الظهر أو نمشي فيها على جثة نريد نكرانها. الاختيار أمامنا.

في رواية “1994” هناك حيلة أدبية تعود باستمرار: تصادم “الزمن” في وعيّ الراوي. يمتزج الماضي بالسنوات الأولى للحرب التحريرية وبالاستقلال والحاضر. يتعلق الأمر بنفس الشخصيّات في مراحل عمريّة مختلفة أو بشخصيات أخرى هي الأبناء أو الزملاء. يقفز الماضي على الحاضر ليشكل صدى أو نموذجا له، بشكل متناقض. يقتل البلد رئيسا أو يقتل الرئيس البلد. بالمناوبة. يستحوذ جنرال على السلطة أو تقوم السلطة بجعل المدني مجنونا. في الحقيقة، هذه الحيلة التي يُراد لها أن تكون أدبية في رواية عدلان مدّي هذه هي ليست كذلك. يجب أن تكون جزائريا لتعيش هذا الأمر: كل شيء ممزوج ومرتبط. الماضي، الحاضر والمستقبل المشوَّه. كلنا على علم بذلك. الحديث عن شجرة يقودنا إلى الحديث عن الأمير عبد القادر. الحديث عن خروف يؤدي بنا إلى الحديث عن مصالي، إلخ.

تعيش الجزائر الزمن على أنه حلقة، على أنه لازمة تنتظر فكّ عقدتها، تعيشه وكأنه هوس. هو الزمن المغلق لجريمة أو لصدمة. مُقترفٌ أو مُتحمَل. في وعي الجزائري، لا فرق بين التاريخ والآني. كلّ شيء تاريخ. لهذا بدت العشرية السوداء الجزائرية وأنها نسخة ثانية بشعة لهذا التفصيل: الابن الذي يقتل أباه، الأب الذي يريد دفن ابنه، أسماء الأحياء، كاستينغ الجبل الذي عاودت لعبه “الدولة العميقة”، الغرفة السوداء، عقيدة الجنرالات وملحمة الإرهاب، الاستعانة المتطيرة بالأسماء المستعارة وديانة الأسلحة والمقابر، التعذيب والثكنات، معركة الجزائر، معركة الجزائر العاصمة المضادة، معركة الجزائر العاصمة الأخرى.

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية، وإذا لم تكن جزائريا بعدُ فأنت المحقق الذي فيها! بوليسية، تاريخية، هذيانية، ميتافيزيقية، على شكل محضر سماع أو تقرير يومي للمخابرات (BRQ)، اعتراف وعودة. يجب التوضيح للأجانب بأنه في الجزائر، إذا كانت الرواية البوليسية وطنية، الجثة معروفة والجرم علني، فإنه في النهاية لا يتم توقيف الجاني بل نكتفي بغض الطرف والتظاهر بأننا لم نتعرّف عليه في الشارع، فالسجن أحيانا هو بلد بأكمله.

كتب عدلان مدّي الميثولوجيا الجزائرية الكبرى أو ميثولوجيا الدول التي تشبهها. يمنع “قانون المصالحة” الحديث عنها ونادرا ما تنجح رواية في أن تجعلنا نعثر من جديد على ذاكرتنا لهذه العشرية السوداء، ذاكرة بيضاء. يجب أن تكون صحفيا عارفا بالسَراي، تلميذ – جندي سابق، محلل وشغوف بالمضمَر، بالمخفي، “بالمخابرات”، يجب أن تكون محاربا كبيرا من أجل أن تُقال وتُكتب الحقيقة، كي تستطيع كتابتها. هذه هي مواصفات مدّي.

“1994” هي اعتراف مقلق، أُنتزع عن طريق الكلمة وليس بالتعذيب أو التعدي، أنتزع من سنة مليئة بالجرائم وبالنهب. نأمل في أن تكون الأولى عن عشرية لا يحق لنا التكلم عنها بالرغم من أنها قتلت وأبادت منا الكثيرين.

ت: جلال الدّين سماعن

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عرس الذيب

دونها: ناصر موزاوي*. ترجمة: جلال الدّين سماعن لا أحد في الجبال ولا في السّهوب يجهل …

هاروكي موراكامي

عوالم هاروكي موراكامي الخفيّة

ترجمة: حمزة بن قسمية الكاتبة الأميركية ديبورا ترايسمان التقت هاروكي موراكامي، دار بينهما حوار، صدر …