الأحد، 15 ديسمبر 2019

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي

بوعلام صنصال
بوعلام صنصال

منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ الزمن أرهقه، فتحاول رجلاه أن تثبتا ويواصل المسير ببطء. وكطفل صغير يتقن الابتسام، ويُجيد نطق الحروف الفرنسية أفضل من الفرنسيين، فيثير بذلك غيرتهم، يسير وخلفه وطن، يكيل له اتهامات الخيانة، يحاول أن يهشّ بيده على طيور الضغينة، التي تقترب منه فلا تبتعد، وتبقى تحوم حوله، لكنه لا يسمح إلاّ للحب، كطريق يريد أن يسلكه حتى آخر حياته.

الكتابة كقدر حتمي، يتبعه في “شارع داروين”، ويقسم كـ”قسم البرابرة”، بأنه يحاول أن يكتب ما لم يحدث، يحاول أن يدخل عوالم المستقبل وغياهب النفس الشريرة.

صنصال في الحوار الذي خص به “نفحة”، ويعتبر من الحوارات النادرة التي خصّ بها صحفا جزائرية ناطقة بالعربية، وكأنه يتوجّس من المعرّبين، سيحدثنا عن ثورة الابتسامة، ورؤيته للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وعن علاقته بفلسطين، وعن دور النخب في الجزائر.

كتبك تقرأ في أوروبا بشكل كبير، وتثير نقاشا إعلاميا هنا في فرنسا، لكنك لا تثير شيئا في الجزائر، أليست هذه مفارقة غريبة؟

لا هذا ليس صحيحا، أنا كثير المقروئية في الجزائر؛ صحيح إنني لا أحبّ الظهور كثيرا، لكن لديّ قراء في بلدي، حتى أنني لا أستطيع أن أمشي في الشارع من كثرة القراء، الذين يتعرفون علي، ويحبون أن يتحدثوا عن كتبي، والتي توزّع في الجزائر، بشكل كبير، وليس صحيحا أنها ممنوعة من النشر هناك؛ أنا كاتب بالدرجة الأولى، وما يهمّني أكثر، هو انتشار مقروئية كتبي في الجزائر وليس الظهور الإعلامي  .

حاليا هناك حراك سياسي في الجزائر.

نعم انه حراك يفرح، ويبعث على التفاؤل؛ خاصة أن الشعب متّحد، واستطاع أن يجبر الرئيس بوتفليقة على المغادرة، وهذه خطوة مهمة نحو الديمقراطية؛ لكن تبقى بعض الصعوبات السياسية، خاصة في التفاوض مع المؤسسة العسكرية، لتسمح بحدوث تحوّل ديمقراطي حقيقي، فلا يمكن بحال من الأحوال مواجهة المؤسسة العسكرية، لأنها جيش شعبي؛ وهذا عمل يتطلب الكثير من الوقت، فعلى الجزائريين أن يعوا ذلك ولا يتسرعوا في طلب النتائج.

هل تعتقد حقا بأن الجزائريين يستطيعون المرور بتحوّل ديمقراطي ناجح؟

نعم هناك وعي ما، ظهر عند الشعب الجزائري؛ كما أنه قرر شيئا ما، مع احتفاظه بحذر، نتج عن سقطات سياسية، كلفته الكثير؛ لكن على النخب أن تقوم بدورها، عليها أن ترافق هذه المرحلة الانتقالية، عبر فتح النقاش، وتفسير الظاهرة السياسية للشعب وتنويره أكثر؛ لكي لا تحدث أخطاء أو انزلاقات، هذا عمل كبير، فلو وعى الشعب بمفهوم التحوّل الديمقراطي، وفسرته النخب جيدا، وأعطاه الوقت اللازم لمساره، فإن الجزائر ستصبح دولة واعدة، لا يجب علينا أن نكون مثل الفرنسيين، الذين قطعوا الرؤوس في ثورتهم، لذلك تأخر التحوّل الديمقراطي لسنوات، ودخلوا في الحروب الأهلية، وهذا سيناريو سيء جدا .

هل تدعو لعدم المحاسبة؟

أنا أدعو لتحوّل هادئ، يدوم عدة شهور، حيث لا تحدث محاكمات سياسية؛ بل علينا تكريس استقلالية القضاء، ودولة القانون، وسيحاكم الظالمون، والسارقون، ضمن مؤسسات دولة عادلة، السلطة فيها للقضاء؛ كما أدعو للحفاظ على قوة الجيش الجزائري، الذي عليه أن يرافق هذا التحوّل دون أن يتدخل فيه.

تبدو متفائلا جدا، لكن هناك احتمال أن يستحوذ الإسلاميون على السّلطة؟

لا هذه كارثة، لكن لا اعتقد أن هذا السيناريو سيحدث الآن؛ الشعب حذر وواع لدرجة ما؛ فلا يمكنه أن يسمح بذلك، أنا لا أدعو لإقصاء الإسلاميين ولكن أدعو لتجسيد الديمقراطية الحقيقة بعيدا عن الظاهرة الدينية.

ولكن لو فازوا بالانتخابات، بعملية ديمقراطية نزيهة؟

لا هنا يختلف الأمر، هذه الديمقراطية وعلينا تقبلها؛ كما قلت سابقا، لا يجب أن نكرر أخطاء الماضي، ففي التسعينيات، حين قمنا بانتخابات وفازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، تم توقيف المسار الانتخابي؛ إنه خطأ كبير، لا يجب ان نكون منافقين في العملية الديمقراطية، يجب تقبّل من اختاره الشعب، لكن بشرط وجود النزاهة؛ ولو كانت الانتخابات نزيهة، لن ينتصر الإسلاميون أبدا في الجزائر، لأن الشعب أصبح واعيا.

لمَ لن ينتصروا؟

لأنهم ببساطة يعبّرون عن التطرف، ولا يعبّرون عن تسامح الشعب الجزائري؛ يشبهون لحد ما الجبهة الوطنية الفرنسية، ذاك الحزب المتطرف، الذي تتحد مجمل الأحزاب الفرنسية من أجل منعه من الوصول للحكم، لأنهم يعرفون كارثة ومغبة وصول حزب مثله للسلطة، لكنهم يسمحون له بالتعبير عن نفسه، من خلال المشاركة في العملية الانتخابية.

هناك من يتّهمك بأنك مقرب من أفكار الجبهة الوطنية الفرنسية المتطرفة، هل هذا صحيح؟

هناك من لا يفرّق ما بين عمل روائي، وكتاب فكري؛ فحين أكتب رواية، فأنا أضع افتراضات، ولا أضع أمانٍ، أو رغبات شخصية؛  فأنا أكتب لفتح النقاش، وفتح الأفق للخيال، فحين أضع فرضية وصول الإسلاميين للحكم في فرنسا، فهذه فرضية تشبه فرضية ميشال ويلباك في روايته الشهيرة استسلام أو الخنوع؛ فلست أنا الوحيد الذي يكتب عن افتراضات مستقبلية، فهنا في فرنسا كتبت روايات عديدة تتحدث عن ما ستكون عليه فرنسا، لو أن الجبهة الوطنية المتطرفة فازت بالانتخابات الرئاسية؛ هل ستصبح مثل الاتحاد السوفياتي  هذا بالدرجة الأولى عمل المثقفين في طرح الأسئلة  .

لكنك تبقى مقرّبا من الدوائر الفرنسية هل نسيت الماضي الاستعماري؟

نعم لا يمكننا العيش في الماضي نهائيا، يبقى الماضي ماضيا، ويجب أن يدخل في خانة التأريخ؛ لكن حاليا علينا المضيّ قُدما، والتوجه نحو علاقات عادية مع جميع دولة العالم، ليس فقط فرنسا، بل علاقات جيّدة مع المغرب، والدولة الإفريقية أيضا.

تحدثت عن دور النخب الجزائرية في عملية التحوّل الديمقراطي هل تؤمن حقا بالنّخب الجزائرية؟

نعم لدينا نخب لكنها في الأسر، ففي النظام الذي بقي لمدة عشرين سنة، لم يكن يسمح بقيام ملتقيات فكرية او حتى لقاءات أدبية لقد كان يمارس الديكتاتورية بعينها، فكيف لنظام سياسي أن يخاف من لقاءات أدبية بسيطة؟ ففي بجاية مثلا يقومون بمنع الكتّاب من لقاء قرائهم.

ترجمت للعربية لكن ذلك يفتح النقاش حول كتبك في العالم العربي لما ذلك؟

على العموم من يقرؤونني، يقرؤونني بالفرنسية أو الإنجليزية، كتبي تكاد تكون موجهة للنخبة، لذلك فالنّخب العربية، تقرأ بلغات ليست عربية، فهم لا ينتظرون وصول الترجمة، التي هي على العموم متأخرة بسنوات عن سنة صدور الكتاب؛ مثلما هو الحال في الجزائر، من يقرأون الروايات يقرؤونها بالفرنسية وليس العربية.

لا هذا ليس صحيح فهناك من يقرأ بالعربية، حتى إن معظم الروايات التي تباع في المعرض الدولي للكتاب هي بالعربية؟

لا أعتقد ذلك فالقراءة بالعربية قليلة جدا في الجزائر، ولا تقارن بالقراءة باللغة الفرنسية، فالنخب تقرأ بالفرنسية في الجزائر.

كانت لك الجرأة لزيارة إسرائيل، وتجلس مع كتّاب إسرائيليين بأريحية كبيرة؟

كل العرب القريبين من إسرائيل، عقدوا معها صفقات تجارية، ومعاهدات سلام، بل حتى الفلسطينيين يقومون بأكثر من ذلك، فلما امتنع أنا، وأعادي إسرائيل؟ اعتقد لو حدث تحوّل ديموقراطي حقيقي في الجزائر، فإنه ستكون لنا علاقات مع إسرائيل، لكن دون ان ننسى الحقّ الفلسطيني، ويجب أن ندعمهم سياسيا، ونؤيدهم في المحافل الدولية؛ على الفلسطينيين أن يناضلوا من أجل قضيتهم العادلة، ونحن سنكون معهم؛ لكن يجب في نفس الوقت، أن نتوجه للسلام مع إسرائيل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاطئ : حلبة جديدة بين الدين والفلسفة

أحمد عمراني الشاطئ موضوع فلسفي مهم وجديد. قد يبدو للوهلة الأولى أنه موضوع سوسيولوجي أو …

محمد بوشحيط

محمد بوشحيط: حول الأزمة

(كُتب هذا المقال قبل 23 سنة، لكنه لا يزال يصف واقعنا) يُصاب المُلاحظ السّياسي، خاصّة …