الجمعة، 23 أغسطس 2019

ثورتنا البيضاء وحدود الحلّ الدستوري

احميدة عياشي

ما حدث في الجزائر في 22 فبراير 2019 هو ثورة سلمية، بدون عنف أو شغب أو قطرة دم أو أي شكل من أشكال الانتقام.
خرج الشّعب، بمختلف فئاته وطبقاته، وبصوت واحد ليعلن رفضه الشّامل والجذري إضافة عهدة خامسة لبوتفليقة، عبّر عن رفضه بسلمية منقطعة النظير، باعتدال وبلغة متعددة التعابير.

كانت البداية بحراك يوم الجمعة ليتفاجأ الجميع بلغته، وسلميّته وتنوعه وإصراره على تحقيق أهدافه التي كانت ممثلة في هدف بارز (لا للعهدة الخامسة يا بوتفليقة). لم يكن الحراك في العاصمة وحسب، بل على مستوى التراب الوطني، وكان الشباب عموده الفقري. وحمل الحراك منذ بدايته كلّ مؤشرات الثورة، لكنها ثورة استثنائية تحمل ملامح الغاندية الجماعية، سلمية في لغتها، في مظهرها، في مضمونها. خالية من عنف الشعارات والسلوكيات.
تمكّن الحراك أن يتحوّل بسرعة إلى ثورة بيضاء بدءا من الجمعة الثانية، وخلال سبعة أسابيع اكتملت صورة هذه الثورة البيضاء التي جاءت مختلفة في الأسلوب عن ثورات الربيع العربي بالرغم من أنها استلهمت منها شعار السلمية في البداية وحافظت عليه كل هذه الأسابيع لتحافظ على ايقاعها دون الانجذاب إلى مظاهر الراديكالية على صعيد المواجهة والاحتكاك.

ووفر هذا التوجه المناخ لأن تلتحق العائلة الجزائرية بهذه الثورة لأنها كانت تعيد الاعتبار للفرح وسرور النضال، من خلال النزول إلى الشارع وإعادة امتلاكه بشكل حميمي، زاخر وإنساني.

لم ترفع في الجمعة الأولى من عمر الثورة البيضاء لافتات، تمثلت الشعارات في الهتافات وأغاني الشباب التي استلهموها من رصيد أغانيهم الجماعية التي تعوّدوا على إنشائها طيلة السنوات العشر الاخيرة في الملاعب (مكانش الخامسة يا بوتفليقة) و(الجيش، الشعب خاوة.. خاوة) و(كليتوا البلاد يا السراقين) و(والله، الله يا بابا جينا انحوا العصابة). اخترقت هذه الأهازيج الوعي الجماعي، أنزلت السياسة من برجها العاجي وأخرجتها من الدهاليز والصالونات المغلقة لتجعل منها شأنا عاما وبالتالي قضت على تلك اللامبالاة التي كانت تميّز المواطن العادي، ذلك الذي كانت تُطلق عليه التعابير الاعلامية والسياسية نعت (الأغلبية الصامتة).
خلال أسابيع أسقطت ثورة 22 فبراير البيضاء حكومة أويحيي، وأسقطت رمزيا حكومة بدوي التي وُلدت ميتة، وأدت ببوتفليقة ليقدّم استقالته وأطاحت ممن أسماهم المتظاهرون بالعصابة، ووصفهم التعبير السياسي المحلي بالقوى غير الدستورية، المتكونة من محيط الرئيس والطغمة المالية السياسية الموالية لشقيق الرئيس ومستشاره والرجل القوي في الرئاسة.
تجاوزت الثورة في ديناميتها الأطر التقليدية للممارسة والفاعلين السياسيين من أحزاب وجمعيات وشخصيات وطنية ووسائل إعلام، ما جعل دعوات تمثيل الثورة البيضاء تتداعى، بحيث أصبحت هذه الأخيرة تمتلك ضمن العفوية الواعية ديناميتها الخاصة والمستقلة وقوتها الخفية المؤثرة في توجهات صناعة القرار.

استحدثت الثورة البيضاء منطقها الخاص الذي أبدع حالة من الديموقراطية المباشرة، صار المجال مفتوحا دون تمييز للمشاركين لان يقدموا رسائلهم مباشرة للسلطة المتبقية، ممثلة في الجيش، وتلخصت الرسائل المتعددة في ضرورة رحيل النظام وتأسيس الجمهورية الجديدة.. جمهورية المواطنة والحرية والعدالة.
وما حدث من حوار بين السلطة الراهنة (الجيش) والشعب المحتل كل يوم جمعة شوارع الجزائر تجاوز الوسطاء والممثلين وفرض بذلك أسلوبا جديدا في الحوار والتفاوض، ومن هنا لجأ الجيش إلى اقتراح تفعيل المادة 102 إلا انها اعتبرت في رأي الشعب ناقصة وبتراء، لذلك اقترحت المادة القائلة أن الشعب هو مصدر كل شرعية.. ليستجيب الجيش، لكن الاستجابة ظلت إلى لحظة كتابة هذه السطور غامضة، وتخبئ رغبة خفية في تحريف وجهة المطالب الشعبية الجذرية والعميقة أملا في تحويلها نحو مجرى إصلاحات جزئية تحافظ على استمرارية النظام وانبعاثه بعد مرور العاصفة بواجهة جديدة شكلية.

سعى النظام للحفاظ على نفسه بفتح طريق عقيم  يقوم على المكر والخديعة والمناورة وكسب الوقت، من أجل التنكّر لوعد الثورة البيضاء من خلال لجوئه إلى الحل الدستوري الشرعي في حين الثورة الشعبية التي انبثقت عن الموجة الثالثة للربيع الجزائري(الأولى 20 أفريل 1980، الثانية أكتوبر1988) تتجاوز الحل الدستوري الشرعي لأنها حاملة لمشروعيتها وشرعيتها الجديدة التي تمتلك قدرة التدشين لحالة جديدة ووضع قانوني جديد وفوري ينبثق من الإرادة الشعبية ذات الشعار المتفرد (يتنحاوو قاع)!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …