الأحد، 16 يونيو 2019

أمين معلوف: العالم في طريقه إلى العشائرية

ترجمة: جلال الدّين سماعن

أمين معلوف
أمين معلوف

أصدر أمين معلوف (1949-)، قبل أيّام، كتابا جديداً بعنوان “غرق الحضارات”، وهنا حوار معه بهذه المناسبة.

تقول بأنك ولدت على حافة الانشقاق، هناك في الشّرق الأوسط. هل كان لذلك المكان أثر على النظرة التي تحملها إزاء مجرى الحضارات؟

أمين معلوف: بعد هذه الولادة وطوال حياتي، شهدت عن قرب أحداثا كانت شاهدة على بعض القطائع. في سنة 1975 ومن نافذة غرفتي، أبصرت ذلك الهجوم على حافلة والذي مثّل شرارة بداية الحرب في لبنان. سنة 1979، كنت في طهران في قاعة العروض الصغيرة تلك أين أعلن الخميني عن قيام الجمهورية الإسلامية. إلاّ أنه، حقيقةً، بدأ الأمر مذ كنت صغيرًا، مذ رأيت عائلة أمّي تُطرد من مصر بسبب صعود القومية.

لتلخص تطور العالم العربي، كتبت قائلا بأن الدكتور جيكيل قد أصبح ميستر هايد. أليست الصورة فظّة إلى حد ما؟

في هذه الحكاية التي تخيّلها الكاتب ستيفنسون (كاتب أسكتلندي،1850-1894)، كلتا الشخصيتين موجودتين عند فرد واحد. الأولى ذات تقدير كبير، الثانية عبارة عن وحش. وحدها الظروف هي من يحدّد أيّ الشخصيتين ستتفوّق على الأخرى. هذه الاحتمالات المتضادّة موجودة في كلّ دولة كما نجدها عند كلّ الأفراد. ألم نر كيف تحولت ألمانيا إلى ميستر هايد قبل أن تعود وتتحوّل، من حسن الحظ، إلى الدكتور جيكيل؟ من جهتي، عرفت أيام شبابي عالما عربيّا عاديا جدّا، عالما ذا قدر وبمستقبل واعد. في لبنان، كان هنالك نموذج تعايش متناسق معقول بين الطوائف الدينية؛ أمّا مصر فقد كانت مكانا أصليّا لنهضة ثقافية يحذوها تطلعٌ حقيقي نحو الحداثة. كما أن الكثير من دول المنطقة كانت تحظى بصحافة حرّة وباستفاضة سياسية وثقافية. ثم رأيت نفس العالم يتحوّل ويتشوّه إلى درجة أنك لا تعود تتعرف عليه، وذلك حين وجد نفسه أمام تحديّات لم يعرف كيفية مواجهتها. حدث الأمر وظلّ العالم العربي سبيله خاصة بعد هزيمة جمال عبد الناصر، في جوان 1967، ضد الإسرائيليين. انغلق هذا العالم على التجريم، على اليأس وعلى اجترار الكلام.

ماهي أكبر مشكلة تواجه العالم العربي؟

لم يتم تحديث المجتمعات العربية بشكل معمّق. تقريبا في كل الدول المشكلّة لهذا العالم العربي ولا واحدة منها تُعتبر دولة قانون أو ديموقراطية حقيقة. دائما ما يخضع المواطنون لعشوائية مسيّريهم. ويواصل الحكّام والمعارضة في استغلال الدّين لأغراض سياسيّة. من وجهة نظري، هذا ليس عائدا إلى النصوص الدّينية في حد ذاتها. تاريخ الشعوب هو من يحدّد الطريقة التي يؤولون بها نصوصهم. بفضل ثورة عصر الأنوار استطاعت أوربا أن تُعيد الدّين إلى مكانه دون أن تلغيّه، وهذا ما سمح لها ببناء مجتمعات ديموقراطية. لا زلت مقتنعا بأن العالم العربي كان في مقدوره أن يتّبع دربا مشابها. واجب الشعوب وحكّامها هو أن يكونوا واعين بالتحديات التي يضعهم التاريخ في مجابهتها، وعليهم تجاوزها. بليّة العالم العربي هو أنه لم يجد الحلول المواتية.

لماذا أوليت كل هذه الأهمية للهزيمة التي تعرض لها جمال عبد النّاصر؟

في زمنه، كان – في أعين العالم العربي – يجسّد الأمل في النهضة. نجح في أن يلمّ شمل شعوب مختلفة جدا حول نفس التطلع نحو الوحدة والكرامة. لكنه كان حبيس أوهام عصره. اشتراكيته البيروقراطية دمّرت الاقتصاد المصري أما قوميته المناهضة للاستعمار فقد صبغتها صبغة كارهة للأجانب. لم يمتلك سماحة كتلك التي امتلكها مانديلا، هذا الأخير وغداة نصره فعل كلّ ما بوسعه من أجل إبقاء البيض في جنوب إفريقيا. أما ناصر فقد آثر طرد الأجانب. ثم انساق وراء حرب 1967 والتي أصابته في مقتل. هزيمته كانت صدمة جارحة لكل الدول العربية وأدّت إلى ظهور إيديولوجيا جديدة مهيمنة، الإسلاموية السياسية.

هل تشاطر نظرة صموئيل هينتنغتون ونظريته “صراع الحضارات”؟

كان محقا في إحدى النقاط: ردود فعل أبناء جيلي كانت وفق انتماءاتهم الدينية. لكنه أخطأ التقدير حين اعتقد بأن الناس ستتجمّع في جبهات حضارية تقاتل بعضها بعضا. لا يُشكل العالم العربي وحدة قائمة بذاتها بل هو مجرد ساحة حرب. أما في أوربا فحلم الوحدة لم يتم التعامل معه بشكل جيّد. ما يميّز راهننا هو التشرذم والتحلل.

غلاف "غرق الحضارات"
غلاف “غرق الحضارات”

نلاحظ مفارقة عالم يعيش عولمة بفضل التطوّر التكنولوجي والاقتصادي لكن يغلب فيه التّفتت الهوياتي. أنت تقترح سنة 1979 كتفسير لهذه المفارقة…

حدثت ظاهرة كبيرة خلال هذه السنة وما يحيط بها. أطلقت عليها اسم «التحوّل الكبير». فجأة أعلن التيّار المحافظ نفسه ثوريّا في حين أن دعاة التقدمية لم يكن لهم إلا هدف واحد وهو المحافظة على المكاسب. في فيفري 1979، في طهران، حدثت الثورة الخمينية؛ ثلاثة أشهر بعدها، في لندن، كانت الثورة التاتشيرية (نسبة إلى مارغريت تاتشر). «ثورتان محافظتان» مختلفتان تماما ولكنهما تعكسان تغيّرا جذريا في «روح العصر»، وسيكون لهما امتدادات كونية. مع الزمن، يبدو جليّا بأنّ الثورة الإيرانية كانت مصدر الاضطراب الهائل في العالم الاسلامي، كما أن نتائجها المباشرة وغير المباشرة ستمسّ الساحتين السياسية والثقافية لأغلب دول العالم؛ فخلق ذلك تغيّرا في السلوكيات والعادات. أما فيما يخص ثورة التيار المحافظ في الغرب، والتي ابتدأتها مارغريت تاتشر قبل أن يستمر فيها مباشرة ويوسّع مجالها رونالد ريغن في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ميّزها حذر شديد تجاه دور السلطات العمومية، وتجاه «دولة الرفاهية» (État-providence) وأيضا تجاه كل السلطات العابرة للدول. تطوّرٌ بلغ اليوم ذروته مع البريكسيت ومع الكراهية المعلنة للرئيس ترامب لكل الهيئات الدولية. في عالم يسلك طريقه نحو العشائرية ولا أثر فيه لنظام دولي بالمعنى الحقيقي للعبارة، فإنه من الصعب جدا أن نحلّ المشاكل التي تخلقها العولمة، التطوّر التكنولوجي وتقدم الصين والهند.

بالرغم من هذا إلا أنك تقول بأنها عوامل تجمعنا…     

أحيانا نرفض الإقرار بذلك إلا أنّنا، فعلا، نشبه أكثر فأكثر مجايلينا بدرجة أكبر من الشبه الذي بيننا وبين أجدادنا. غير أن هذه الحركة التي تسعى إلى تقريبنا من بعضنا بعضا تعرقلها التوترات المرتبطة بالهوّيات. ويعرقلها أيضا تبجيل الفردانية. يبدو جليا بأننا غير قادرين على التجند ضد أخطار الاحتباس الحراري ونتجه رأسا نحو تسابق جديد للتسلح قد يكون مدمرا، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية، الصين وروسيا. إذا لم نستطع أن نتدارك أنفسنا ونبني نظرة جديدة للعالم، أقل تمحورا حول الأنانية المقدسة للأمم والجماعات، فلن نقدر على تفادي الكارثة التي تلوح في في الأفق والتي ستمس كلّ المجتمعات الإنسانية.

حاوره: فرونسوا – ڤيوم لوران

 (مجلة Le Point)

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …