الخميس، 17 أكتوبر 2019

لا مقدّس غير حرية الشعب

فرحات عثمان

تتوالى الأحداث على نسق جنوني بالجزائر؛ وهذا غير مستغرب لما يميّز الزّمن الرّاهن من تسارع للأحداث في فترة حسّاسة كهذه، أي المرور من عالم قديم ترّهلت مفاهيمه إلى عالم جديد هو بامتياز عهد الجماهير بما فيه من حراك.

ولئن كان هذا الحراك فوضى عند البعض، فهي بحقّ خلاّقة، من شأنها إصلاح ما تفسد الفوضى المنظّمة، تلك المهيمنة بأعلى هرم السلطة، سواء عسكرية كانت أو شبه عسكرية، حتى باسم ديمقراطية ترهّلت وتأزمت.

فهل حراك الجزائر خلاّق، هل يؤشر لجزائر جديدة؟ وبعد جزائر المليون شهيد، هل تأتي الثورة الحالية، وهي ذهنية بالأساس، بجزائر المليون حرية؟

لقد كانت الأشهر والأيام الأخيرة الفرصة السانحة للشعب ليظهر عن مواهبه الإبداعية الفنية، فإذ الفن يغزو الشوارع؛ بل تلك هي السياسة تكاد تصبح فنا! ومع الفن، لا يستحيل شيئا؛ فهو أعلى درجات الفكر المبدع، بما فيه العلم الذي يميّز الإنسان عن الحيوان.

خصائص الواقع الرّاهن

بادئ ذي بدء، لنذكر أن ما حدث ويحدث ببلاد الإسلام عموما منذ مدّة لهو التواصل لمخطط امبريالي في تجلياته، رأسمالي إسلاموي في مكنونه؛ لا يعود تأريخه فقط لمخاض الفوضى الخلاقة المتمثلة فيما سمّي جزافا ربيعا عربيا، بل وأيضا منذ فترة بداية حملها التي مثّلتها مظالم نهاية الحرب العالمية الثانية، وخاصة الفاجعة الفلسطينية؛ فهي بمثابة مسمار جحا الامبريالية المعولمة، أي بلاد الغرب الشمالي وتوابعه من أهل الجنوب، بما فيهم بلاد العرب والإسلام.

ولا شك أن انغماس بلاد الغرب اليوم في أزماتها الداخلية يتيح الفرصة، سانحة أكثر من أي وقت مضى، للشّعوب المقهورة، ومنها الشعب الجزائري، للانعتاق شيئا ما في محاولة، لعلها تنجح، لإبهار العالم بنمط جديد متجدد من التصرّف السياسي يكون مبدعا، خلاقا بالمعنى السامي للكلمة، بل ومؤسسا للمرور من سياسة اللاأخلاق الحالية المبتذلة إلى أخلاق السياسة التي ندعو إليها Poléthique.

لهذا، رغم المحيط المعادي في عولمته المتوحشة لمصالح الشعوب، فما يحدث بالجزائر بقي إلى اليوم وبحق شأنا داخليا، بل وحتى جوانيا، أي أنه القضية الشعبية، همّ الشعب وحده، لا أحد غيره. فالأمر لا يهم حتى أهل السياسة الذين اعتدناهم، إذ هو اكتشاف متجدد للسياسة نفسها في فهمها السابق الذكر، الصحيح اشتقاقيا، أي مشاغل المدينة لأجل أن تكون فاضلة.

الحراك إذاً قضية أهله وبين أيدي صاحبه، المؤهل الوحيد لتقمص السلطة الشرعية، وهي سلطة الشعب، أي سلطة حقوقه وحرياته. فلا دستور يكتب هذه الحقوق والحريات، ولا برلمان يصوّت عليها، ولا بالأخص المؤسسات الحالية. إن مرجعيتها الوحيدة هي جماهير الشعب القادر بحكمته التليدة على استنباط الجديد لنظام ديمقراطي بارٍ بعد وتهاوى، فهو مجرد صحراء قاحلة من الحقوق والحريات، لا تخدم إلا مصالح جن سياسة متمعّشين منها؛ إنه هذه الديموم أو المفازة التي انحدرت إليها سلطة الشعب، أي الديمقراطية كما يتعاطاها الحكّام، بينما ليست هي إلا ديممقراطية Daimoncratie، صحراء جنّ السياسة وقراصنة حقوق الشعب.

وبما أنه لا يمكن غضّ النظر عن تداعيات العولمة وإكراهات السياسة الخارجية، لا شك أن النخبة السياسة الجزائرية لها من الحنكة ما يؤهلها للتعامل مع محيطها وإملاءاته دون تجاهل مقتضيات الإصغاء لمطالب الشعب من أجل استحقاقات مشروعة عاجلة ومحسوسة. لذا، قناعتنا أنه لا خوف من أن تتكرر بالجزائر، الثرية على جميع المستويات، مأساة ليبيا، أو أن تقع بها فواجع اليمن أو العراق، أو حتى ما يحدث بتونس من لعبة كريهة فيها الكثير من الخداع والمخاتلة، إذ السياسة بها ليست إلا لعبة الأنا jeu du je.

إن للجزائر، في ماضيها وحاضرها القريب، وفي مواطنيها خاصة، الجُنّة الفضلى للخروج منتصرة على ريب الزمان. لا يكون هذا إلا إذا حقّق الحراك الجزائري حلم شهدائه الذين اشتروا بدمائهم لذرياتهم الحريات، كل الحريات، والحقوق، كل الحقوق، قبل أن تصادرها المؤسسة العسكرية وقرصان السياسة وأصحاب المصالح الداخلية والخارجية.

وبما أننا في عالم معولم، لا مناص فيه من تشابك المصالح، وأن المادية طغت عالميا إلى حد أنها وطّأت أهل الدين لأغراضها، كما سبق أن نجحت فيه إبان ظهور الرأسمالية مع البروتستانتية، فلا مجال لتجاهل التحالف الحالي بين الإسلام المتزمت ورأس المال المتوحّش؛ هذا يفرض التصدّي بحكمة لتجلياتهما المتعجرفة في حقّ الشعب. لا يعنى ذلك ضرورة رفض المنوال الرأسمالي، إنما عدم القبول بما يميّزه من غلو؛ وهو ما يسمح به اقتصاد البلاد. كما أنه لا يعني رفض الإسلام جملة، بل نبذ تجلياته المتزمتة التي هي في خدمة من يتاجر بتعاليمه ويهدم صرحه من الأساس كدين سلام وتسامح لا حرب وكراهية.

إننا لنرى إلى أين وصلت الأزمة بالبلاد الغربية، سواء بخصوص الديمقراطية أو الليبيرالية، حيث العلاقة فيهما ظلت عمودية بينما هي من اليوم فصاعدا أفقية، تأخذ بعين الاعتبار المصالح الأعم، وهي حقوق وحريات الجماهير. لذا، بداية، لا بد لأي نظام يسعى للجديد ويبتغي العدل والانصاف من السهر على توفير تلك الحقوق والحريات فعليا قبل الكلام فيما اعتدناه من زاوية نظريات فضفاضة وشعارات جوفاء لا فائدة فيها على محك الواقع المعيش.

موهبة المجتمع الجزائري

لكل مجتمع بشري مواهب، سواء كانت بيّنة للعيان أو خفيّة، كامنة في جوف اللاوعي الجمعي وقاع المتخيل الشعبي؛ وهي تتجلى في ظروف معيّنة، منها بالأخص المحن التي تبدو فيها دون قناع أو زخرف. وقد عرك الشعب الجزائري ذاته الدفينة طويلا خلال الاستعمار، وعرف ذاتيته على حقيقتها، ومؤهلاته كاملة، بقواها وضعفها، طوال حرب التحرير؛ ثم فيما عاشه من أيام العشرية السوداء. وهو قد عاناها أيضا ويعانيها من خلال السوداوية التي غمرت حياته اليومية، زادتها سوادا النظرة العسكرية للأمور، سواء كانت مدنية أو دينية. فلا فرق بين هذين النوعين من التسلط، إذ لكلا الطغمتين مرجعية مفارقة، كلها ازدراء للشعب، تقزّمه وتستهين بكل ما فيه من ثراء؛ فهي عمودية متعالية لا أفقية كما تحتمه حقبة ما بعد الحداثة التي أظلتنا.

وما من شكّ أن خاصية المجتمع الجزائري كمجتمع مركّب تؤهله لتقمص الدور الذي يفرضه عليه هذا الزمن ما بعد الحداثي، أي تعاطي الفكر المركّب لاستحداث الجديد في الفكر السياسي دون استنساخ ما يُوجد خارج أراضيه. كل هذا بديهي نظرا لما مر به شعب المليون شهيد من فواجع منذ انتصار ثورته على المستعمر الخارجي، مع اكتشافه لمستعمر داخلي أشرس منه، هذا الطابور الخامس الذي لا ينعدم في الشعوب أيا كانت، والذي ما كان يتموقع طيلة العشرية المأساوية بدون المناورات الخارجية والخيانات الداخلية باسم مبادئ مفرغة من الأخلاق، تماما مثل ما يتواصل حدوثه اليوم وغدا، ما بل بحر صوفة.

بديهي أيضا أن ما من شأنه الحد من ذا الخطر الداهم المستدام يتمثل في معرفة الشعب الجزائري لمدى قبح الحصة الشيطانية فيه، وضرورة كبح جماحها بما في حناياه من تبرّم وسخط على الوضع المزري للحقوق والحريات بالبلاد وبالعالم طرا، خاصة الأقرب، سواء على حدوده أو على مشارف ثقافاته المتعددة. هذا حري أن يجعله كامل الحذر من الوقوع من جديد في فخ كل من يتصيد في الماء العكر من المتربصين الكثر بثورته الجديدة، شديد الحرص على رفض الشعارات المتهافتة التي عركها وعرف أنها فراغ بلقع من أي نفع وأخلاقيات، تماما مثل اللغة الخشبية التي لا يزال أهل السياسة يتواصلون بها معه رغم معرفتهم أنها لا شيء عند جماهير الشعب الواعية، أي غالبية الشعب، سوى مكاء وتصدية، بل رغاء نوق ونهيق حمير.

ولا بد هنا من التأكيد أن المشكل الأساس بالجزائر، بالنسبة لعموم الشعب، ليس مع السلطة القائمة، بل هو مع فهمها القديم للسلطة كتسلّط، أي النظرة القديمة للعلاقات بين الراعي والرعية؛ وهي نتاج عالم بارت مفاهيمه؛ فهي تمثل زمن مات واندثر، ما بقي منه إلا ظلم العلاقات بين الدول، من ناحية، وبين الحكام وشعوبها من ناحية أخرى. لهذا، لا مجال لمحاربة السلطة العسكرية بالبلاد دون القطع مع المنظومة الفكرية التي هي جذورها، تنتمي إليها، وهي السائدة في عالم متناحر، لا تضامن فيه ولا تكافل بين أطرافه، طغت عليه مادية رأس المال المتوحش، وقد زاد توحشا بسعيه الحثيث لإحكام قبضته على البلاد العربية الإسلامية كأسواق جديدة له، فيها الربح الأوفر، من خلال تحالفه المشين مع الإسلام المتزمت.

الشعب الجزائري من شأنه حقا خلق ديمقراطية متجددة، أو لنقل يؤسس لما بعد الديمقراطية Postdémocratie، نظام سلطة الشعب أو الديملوكية (ضدا على الملوكية) Démoarchie، الذي لا يتمثل في المؤسسات المعهودة، بل في الحقوق والحريات المكرّسة واقعيا، على المستوى المحلي أولا، في كل ما فيه التجلي للحياة اليومية للشعب في البلديات وأصغر الوحدات والتجمعات السكنية بالبلاد، قبل الارتقاء للمستويات الأعلى من دوائر، ومقاطعات ومحافظات وولايات. ولعل المثال الأفضل لذلك هو الكيفية التي كانت تدار بها أمور القبائل عندما كان لأفرادها حقوق وحريات؛ وقد علمنا أن من خاصيات حقبة ما بعد الحداثة التي تظلنا عودة القبلية أو الروح القبلية.

إنه اليوم لا قيمة للتقسيم الإداري لأي بلاد كانت ما دام لم يختزل مظاهر تنظيم العيش المشترك على اختلاف طبيعتها، مع الحرص على أن يبقى الأساس لامركزية القرار، إذ مركز القرار المتحتم هو منبع الشأن الذي يأتي به، وهو محلّي بالضرورة، ولا يتوافق حتما مع شأن مماثل لدائرة بشرية أخرى؛ فلكل مقام مقاله. هذه هي الديمقراطية المحلية التشاركية الحقّة التي كانت متبعة بين أهل الحل والعقد في القبائل، والتي لا بد من العودة إلى روحها في نظام لامركزي محدث.

طبعا، ليس يعني هذا التناحر وانعدام السلطة المركزية، بل هو التأسيس لحكم مركزي فاعل، مبني على أسس ومواقع نفوذ حقيقية، مثل الذي نجده في نظام اللامركزية، إلا أنها حقوق وحريات فعلية في جميع ميادين الحياة للتجمعات السكنية الجهوية والمحلية. فمن سلطاتها تنبثق السلط المركزية درجة درجة، فتكون بحقّ مجسّدة للبلاد في تركيبتها الرسمية عبر ممثلين فعليين في جهتهم حيث يحظون بثقة أهاليهم، إذ هم في علاقة تعاقدية معهم عبر واجبهم في خدمة المصالح الجهوية والمحلية.

صيرورة الثّورة

ذاك ما يمكن تحقيقه فعلا بالجزائر، بما أن الحراك الشعبي بها يعتمد على ثقافة سياسية محلية رسبت من صراع وجودي بحق خلال فترة الاحتلال، إذ سعى الاستعمار بشراسة متناهية إلى القضاء على هوية الشعب دون جدوى. خاصة وأن هناك، حتما، من يسعى للمراهنة على اتساع الأزمة بالبلاد، فيعمل من أجل عدمية الحلول لاستدامة الحال، ما يمهّد لتدخّل أجنبي أو لفرض انبتات داخلي يعمل لفائدته. ثم هناك من يراهن على ثراء الهوية الثقافية الجزائرية وتعدد روافد شخصيتها، لا لتثمين هذا الائتلاف في الاختلاف، بل للعمل على توسيع أقل بوادر الخلاف فيه للوصول به إلى النزاع والتناحر باسم مبادئ فضفاضة تسعى حتما في ركاب الشعارات الكاذبة التي تخفي غاياتها.

إنه من المتحتّم الفراغ مع قضية الهجرة السرية بوسائل شرعية ممكنة، مثل السعي لفرض اللجوء لتأشيرة المرور وجعلها القاعدة الجديدة للعلاقات بين الجزائر والبلاد الغربية، خاصة الأوروبية حيث أهم جالياتها. ولعل هذا يكون أول بوادر ميلاد الجمهورية الجديدة، أفضل ما يرمز لرتق البين بين الشعب، وهو شباب، والسلطة عندما هي حقا الشعب، هذا الشعب الفنان، المرهف الحس، ذرية شهداء ثورة التحرير، المتعطش للتحرر من كل القيود، وأولها حرية التنقل في العالم.

هذا الاقتراح الشعبي من شأنه أن يكون نواة لشعارات الغد، تنطلق من الواقع وتقترح حلولا ملموسة في أيام الحراك الأسبوعية؛ فهو، نظرا لرمزيته، يوحّد حقا الشعب، بمختلف مشاربه وأهوائه، عبر تطلعه للانعتاق من ربقة الضيم والاستغلال لأجل عيش حر كريم، في الحقوق والحريات. وإن أولها اليوم، في عالم الحركة المستدامة للبضاعات وللأفكار والمعلومات، التنقل الحر للبشر دون قيود سوى تأشيرة مرور تسلم استحقاقا ولفترة تجدد آليا نظرا لرفع بصماته عند الحصول عليها لأول مرة. فأي مثل أفضل من المطالبة بمثل هذا الحق الذي تفرضه الأخلاق قبل القانون في يوم الجمعة وقد أصبح يوم عيد بحق، لا لصبغته الدينية، بل لحراكه الشعبي المتجاوز للاعتبارات الدينية، التي ليست إلا شخصية.

لا بد من المرور من التظاهر فعلا إلى التظاهر فكرا والتناظر ولقاح الأفكار. خاصة فيم يعيق الفكر اليوم بالجزائر وغيرها من البلاد المغاربية والإسلامية طرا: أي الدين. فمن الأكيد أن تتمثل هذه الرغبة الجامحة للتحرّر في التصرفات الشخصية ولحرية الفكر للقضاء على عقلية التكفير بحرية التفكير في المقدس؛ فلا مقدس غير حرية الشعب في كل شيء.

الحقوق والحريات الآن!

من المهم التنبه إلى أن ما يقدح فيه الشعب، كل شعب، سواء بالجزائر أو غيرها من الأرضين التي تُهضم فيها حقوقه، ليس ضرورة النظام القائم، بل انعدام العدل واحترام الحريات منه. فليس العسكر محل نظر العامة، إذ معروف عن الجيش عموما التحامه بالشعب والدفاع عنه، بل الانتهازيين في الجيش من أصحاب الشوكة فيه، وغيرهم من أهل السلطة الذين نسوا أو تناسوا واجبهم الوطني لخدمة مصالحهم الذاتية.

ومن المعلوم، الثابت علميا، وحتى دينيا عند المسلم، أن لا شيء يدوم؛ وها هي المؤسسة العسكرية الجزائرية تبدي تفهما للحراك بمطالبتها بتفعيل المادة 102 من الدستور كحل للخروج من الأزمة الحالية استجابة للمطالب المشروعة للشعب الجزائري. فهل يواصل جنرالات العسكر الإصغاء للشعب ويشد أزره في بناء جزائر المليون حقوق وحريات؟ أم هل همهم فقط السعي لتوافق للرؤى بين الأطراف المختلفة لأجل حلّ يرضي الجميع من أهل القرار، ولكن على حساب الجماهير رغم أنها، مبدئيا، صاحبة القرار الأول؟ عندها، ما قيمة هذا التوافق إن لم يرض الشعب؟ وكيف رضا الشعب بلا حقوق ولا حريات الآن وفعليا؟

إنه من شأن المؤسسة العسكرية أن تلعب بالجزائر الدور الذي كان لها بإسبانيا والبرتغال؛ ونحن نعلم مدى القرب بين هذين البلدين والبلاد المغاربية عموما، والجزائر خاصة.  لذا، السؤال الملح والأهم اليوم حول ما يحدث ببلاد المليون شهيد يتمثّل في التعرّف على الآليات الأفضل للانتقال إلى المنشود والمطلوب بهذا الحراك الشعبي السلمي. وهي موجودة بالضرورة، إذ الحل يسبق نشأة الإشكال في رأينا، إلا أن صيرورتها تبقى غائبة أو مغيبة لتعدد الرؤى، ولكن أيضا الأطماع.

رغم دوره المحوري، ليس الشعب الجزائري الوحيد بالساحة؛ ثم ليس الفاعلون المرئيون هم أهم الطرف، إذ أهم منهم هذه القوى الراغبة في الخفاء في تحريك الأمور حسب أهوائها؛ تلك هي القاعدة في سياسة الدول حسب المعمول به. فالجزائر اليوم في مهب رياح المصالح المختلفة لإمبريالية معولمة تكيّف ما يصبو إليه الشعب الجزائري توطئة لها. لهذا، تتعدّد الشعارات والنظريات المتنوعة باسمه، بينما ليس له فيها ولا نقيرا.

ولكن، أليست مطامح الجموع الجزائرية الحرية والكرامة، ولا غير؟ أليست هذه سوى شعارات طالما لم تفعلها لا القوانين فقط، بل بداية وخاصة الممارسات اليومية المحسوسة؟ لذا، هل من الخطأ القول إن أهم ما من شأنه خدمة الحراك الجزائري وضمان نجاحه ليس إلا الإرادة الفعلية؟ ومن المعلوم أنه لا قيمة للإرادة النزيهة بدون فعل محسوس وتجليات بيّنة في حياة كل يوم، وإلا فهي تبقى مجرد شعارات جوفاء، أو هذا الحق الذي ينقلب باطلا عمليا. ولكم يزخر تاريخنا بالأمثلة على التلاعب والمسخ للعمل السياسي الحق الذي ليس فيه أي ذرة من الأخلاق، إذ هي حبلى باللاأخلاق!

لذلك نقول إن الإرادة الشعبية اليوم هي في إقرار الحقوق والحريات للشعب حالا، الآن لا غدا؛ فلتكن هذه من بين شعارات الشعب: الحريات حالا! الحقوق حالا! الحريات الآن! الحقوق الآن!  الحريات بلا مماطلة! الحقوق بلا مماطلة! الحريات في الحال! الحقوق في الحال! الحريات لشعب المليون حقوق! الحقوق لشعب المليون حرية!

وكما سبق أن قلنا ونكرره حتى لا نشك فيه لحظة: للشعب الجزائري في مخزونه الثقافي ما يكفي من الحكمة الشعبية التي تزيد حسه إرهافا للغيرية والنزوع للعدل ولمشاعر التكافل الاجتماعي. فليكون ذلك إذاً زاد جزائر الغد، جمهوريته الجديدة، أرض المليون حرية! فإن شعبها، والمليون شهيد بها، ضحّى بعد لأجل حقّ الحياة والحرية ولم يضح لبلد أصبح سجنا لشبابه ومرتعا لهواة المصالح وأصحاب المال الفاسد والدين الجاهلي، أي أفيون الشعب المادي والروحي.

وها هو رمضان على الأبواب؛ فلتكن أول حرية فيه حرية الإفطار لمن لا يريد الصّوم حتى يكون الصّوم حقًا مختارًا، بحرية وعن قناعة، لا واجبا مفروضا بغطرسة، لأن الدين الصحيح في النية السليمة، وهي في الاقتناع بالفعل والكف عن الإساءة للغير! ولتخصص ليالي رمضان هذه السنة للتحاور في مظاهر الدين الأّهم الذي يهم الناس جميعا، وهو الإيمان بحريات الكل وحقوقه في العيش المشترك الآمن.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما …