السبت، 24 أغسطس 2019

الصّدفة كما يراها شوقي عماري

شوقي عماري
شوقي عماري

شوقي عماري كاتب وصحافي وممثّل. من مواليد 1964. اشتهر بعموده اليومي في صحيفة “الوطن” وبكتاباته السّاخرة. أصدر، مؤخراً، روايته الجديدة بعنوان “بالاك”(منشورات البرزخ، 2018)، وهنا حوار معه يتنبّأ فيه أيضاً بموعد وفاته.

ما الذي أثار اهتمامك بالضّبط في مسألة الصّدفة، موضوعة روايتك “بالاك”؟

شوقي عماري: هنالك عوامل نخضع لها لكننا لا نوليها أيّ اهتمام كونها جدّ معقدة. والصّدفة هي واحدة من هذه العوامل، هذه القوّة المبهمة التي تتحكّم في كلّ حياتنا والتي لا نريد أن نستكشفها، لكننا بالرّغم من ذلك نتطرّق إليها ولو بشكل سريّ من خلال التطيّر أو زيارات “الطالب” أو “ولي” المنطقة. من خلال أيضا طقوس نمارسها في الخفاء جلبا للحظّ وهذا سواء كنا نؤمن بالقدر أو لا.

كانت لي صديقة أحكي لها نكتا وفي كل مرة تضحك كانت تشعر بالخوف وتقول لي: “لقد ضحكت كثيرا، أنا خائفة”(ضحكنا بزّاف، ربي يستر!)، كما لو أنه هنالك أنصبة من الحظّ لا يجب أن نغرف منها كثيرا خوفا من ألاّ يكون لنا منها نصيبا بعدها. هل هنالك أنصبة من الحظّ؟ ما مدى صحة تفسيرنا للصدفة – حين نكون جيدين فسنكون محظوظين وحين نكون سيئين فلن يكون لنا أيّ حظ –؟

من المؤكد بأنني لست أول من يتحدّث عن الصّدفة ويحاول أن يفهم منطقها لأن هنالك منطقا بالضرورة – حتى ولو كان غير منطقي – إلا أنني حاولت أن أجلب بعض العناصر عن طريق رواية لا يمكن اعتبارها مؤلفا ميتافيزيقا حول الصدفة، لكنها قصة تتخلّلها حكايات محلية عن التطيّر، تعريفات لأصل كلمة الصدفة بالفرنسية (Hasard) (التي جاءت من زهر، وهي الوجه الفائز في لعبة النرد والذي كان يمثل برسمٍ لزهرة) وآخر ما استجد في ميدان الفيزياء النظرية. ولأنني أعتبر نفسي شخصا محظوظا في حياته فتساءلت لماذا إذن لا أكتب كتابا عن هذا الموضوع، وهو ما منحني فرصة أن يُنشر كتابي وأن أجني أرباحا بملايير الدولارات. أنا أمزح لكنني لاحظت كوني لاعب “يام” (لعبة نرد تعتمد على 30% من الاستراتيجية و70% من الحظّ) بأنه كلما زاد اهتمامي بالصدفة كلما زاد حظّي، كما لو أنه يكفي بأن تضع أصبعك على سر الخلق ليكون لك منه فوائد مباشرة.

ثم إنني عكفت على دراسة هذا الموضوع أثناء مواجهاتي العديدة مع الصدفة وأنا ألعب لعبة اليام مع مجموعة أصدقائي سيد احمد، زاك، إيمان، نزيم، كايتا أو رياض، وهم أيضا محبّون سريّون للصدفة ومهوسون بها. لطالما قلت أثناء الندوات التي نظمتها حول هذا الكتاب، “بالاك” اشتروها وطالعوها، وإذا لم تصبحوا محظوظين بعدها فستقوم دار نشر البرزخ بتقديم تعويضات لكم!

بالاك هو الشخصية الرئيسية لهذه الرواية وهو عضو في طائفة “زاهرون”. يبدو وكأنه يؤمن بالصدفة وأحيانا يفتعل هذه الأخيرة، لكنه أيضا يشك. ماذا تقول عنه وعن “معتقده”؟

لم أختر اسم “بالاك” عن طريق الصّدفة. هي كلمة أحبّها كثيرا، فهي تعني “حذار” كما تعني في نفس الوقت “الأمر ممكن”؛ هي كلمة جزائرية محضة تشير مباشرة إلى الصدفوّي، هذا الأخير يحظى بمكانة مهمة في مجتمعنا على عكس الدول الأخرى الأكثر تطورا، تلك التي نجحت في حصر الصدفة في جانبها غير الضغوط (Incompressible)، الصدفة القحّة، تلك الدول التي لا يموت فيها الناس في المستشفيات بسبب مرض يمكن معالجته.

مسألة الصدفة هي إذن مسألة حضارية: حين تقلّ الصدفة يزداد التطوّر حتى ولو كان للصدفوّي تأثير على حياة الناس، بما في ذلك سكان النرويج. بالعودة إلى طائفة “زاهرون”، في البدء انضم إليها بالاك بشكل طبيعي، هي مجموعة تعشق الصدفة وتعتبرها الربوبية الوحيدة: هي من يقتل ويحيي، تعالج، تمنح، تأخذ، تكافؤ وتجعل الفرد سعيدا أو حزينا؛ الصدفة تمتلك كل صفات الرب لكنها لا تمتلك هذه الرتبة. لكن وبالطبع، سيراوده الشكّ وهو وسط هذه الطائفة التي تُعتبر طائفة “مشركة”: هل يمكننا أن ننساق بشكل كامل للصدفة ونُلبسها لباس الألوهية فنصلي لها مع بقائنا على استعداد بأن نخضع لضرباتها وبشكل صدفوّي تام؟ هذا التناقض الميتافيزيقي هو ما جعل بالاك تراوده الشكوك. ثم إني لا أستطيع أن أكشف لكم كل شيء وعليكم أن تشتروا الرواية لمعرفة البقية.

يقع بالاك في حبّ ليديا. كيف خططت لهذه الوضعية؟ هل هي التعبير الأوفى للصدفوّي؟

الحبّ هو واحد من هذه المفاهيم المعقدة. هل نقع في الحب عن طريق الصدفة؟ لا، يجب أن يكون هنالك استعداد أوليّ، تليه مجموعة من الخصائص المشتركة والمتكاملة وهو ما نطلق عليه اسم الذّرّات المتماسكة. لكن هل نمتلك هذه الذّرّات المتماسكة عن طريق الصدفة؟ هو سؤال داخل سؤال وليديا، التي ليس لها نصيب من الحظّ، تشعر بانجذاب تجاه بالاك المحظوظ، وكأن الحظ شيء معدٍ. في الحقيقة، هو معدٍ إلى حدّ ما وكلنا لاحظنا بأننا نحبّ كثيرا أن نخالط الأفراد المحظوظين وبأننا عادة ما لا نرد على اتصالات الأفراد عديمي الحظ، المكتئبين والبؤساء. هل التقى كل من ليديا وبالاك عن طريق الصدفة؟ نعم ولا، ولمعرفة الإجابة يتوجبّ عليكم شراء الكتاب. وإذا كنتم محظوظين فقد بقيت بعض النسخ منه.

تطرّقت إلى العديد من الطوائف في روايتك و”زاهرون” هي أهمّها. الزاهرون يعتبرون “الصدفة هي مصدر المقدّس”. هل يمكنك أن تُحدثنا ولو بشكل مختصر عن هذه الطائفة؟

أولا وكتمهيد، فقد كتبت هذا الكتاب أيضا من أجل أن أبيّن بأن الإسلام يحوي عددا لا نهائي من الطوائف والتيارات والمعتقدات، في حين أن الناظر إلى هذه الديانة من الخارج يظن بأنها كتلة واحدة وبأن 1,8 مليار مسلم – أي 25% من سكان المعمورة – يفكرون ويلبسون ويعيشون بنفس الطريقة. كما أنني جدولت بعض الطوائف بشكل اعتباطي وهي كثيرة جدا، من بينها طائفة “القدرية” الموجودة فعلا والتي يظن أصحابها بأن في إمكانهم القتل وهم بريؤون مستدلين بأن الله هو من شاء ذلك ويستعملون عبارة: “قدّر الله وما شاء فعل”.

باختصار وبالعودة إلى الزاهرين، فهم يرون بأنه ومنذ مليوني سنة، تقريبا في الزمن الذي بدأ فيها الكلام وظهر فيه الوعي الإنساني، كانت الظواهر الصدفويّة تحظى بمكانة مهمة في حياة الإنسان الأول. تنزل الصاعقة هنا وليس في مكان آخر، هذا الطفل يموت في سنّ مبكرة في حين أن الطفل الآخر يعيش ويعمّر طويلا، تظهر الفريسة هنا وتختفي هناك. هذا الشيء حتّم على المجموعات البشرية بأن تنتقل بشكل مستمر وبأن تتساءل عن مكانتها في هذا الكون وكيف يشتغل هذا الأخير الذي كان يبدو لهم كلعبة في يد قوة عظمى. هكذا فكّر أجدادنا في وجود قوة كونية هي من يُعطي الخيرات والمساوئ وذلك بحسب منطقها الخاص. هكذا أُختُرع المقدس، هنالك شيء ما يتلاعب بأعصابنا وهو شيء يجب إما عبادته أو محاربته، هذا الشيء يمثل للبعض الدين وللبعض الآخر العلم، لكنه شيء دفع بأجدادنا إلى رسم البيزون أو شرائح الدجاج الرومي على جدران كهوفهم وذلك من أجل جلب هذه الصّدفة التي ترمي قطعان شرائح اللحم المتنقلة في هذه المنطقة دون غيرها من المناطق الأخرى.

لاحقا، ارتقى مفهوم الرب بفضل ديانات على غرار الإحيائية، تعدد الآلهة، الشامانية والتوحيد. لكن في البدء كان الأمر متعلقا بالصدفة. يمكننا بالطبع إعادة صياغة السؤال: هل كانت الصدفة هي من جاء صدفة لتجعل الإنسان يعتبر بأن الصدفة ليست صدفة؟ هذه الأسئلة الحشويّة هي من يشكّل ريتم القصة والتي، مرة أخرى، ليست أطروحة عن الصدفة. أو ربما هي كذلك وفي هذه الحالة فالأمر حدث عن طريق الصّدفة.

غلاف الرواية
غلاف الرواية

بالإضافة إلى القصة الرئيسية التي يسردها الراوي، هنالك العد التنازلي باستعمال الأعداد الأولية. هنالك أيضا مستوى قراءة آخر تتيحه الهوامش التي في الصفحات. ما هو الهدف من وجهات النظر هذه؟

كما الحال في روايتي السابقة، “الحمار الميّت”، حاولت أن أُدخل ثلاثة مستويات من القراءة، وهي مستويات قراءة مستقلّة عن بعضها البعض إلى حدّ ما. الرواية في حدّ ذاتها، أيّ القصة وما تحويه من شخصيات، تفاعلات، أحداث وارتدادات. ثم في المستوى الثاني نجد مسألة الصدفة وهي ميتافيزيقية أكثر. وأخيرا الهوامش في الصفحات وهي إحالات علمية إلى ظاهرة الصدفة، الصدفويّة، الإنتروبية والفوضى. هدفي هو أن يكتفي كل قارئ بمستوى واحد من القراءة وذلك بحسب وقته، اهتمامه أو رغبته.

ثم إنني التقيت بعضا ممن قرأ الرواية ثلاثة مرات وفقا لمستويات القراءة الثلاث. آخرون لم يقرؤوا إلا المستوى الأول، البعض لم يُثر اهتمامهم إلا هوامش الصّفحات والتي دفعتهم إلى تعميق أبحاثهم على الأنترنت لمعرفة ما توصّل إليه العلماء حيال مسألة الصدفة هذه. هو أدب من نوع “السالف – سيرفيس” حيث يأخذ كل فرد ما يهمّه.

أعلم أن الأشخاص لم يعد لديهم الوقت للقراءة وأن عليهم أن يهتمّوا بحياتهم، حياة غالبا ما تتأثر بالحظّ الذي يملكونه أو لا يملكونه. لهذا ربما يجب أن نستكشف الصّدفة من خلال حياتنا الشخصية أفضل من محاولة فعل ذلك بقراءة ملخصّ على شكل قصة حول الموضوع. وهنا نصل إلى قضية فائدة ووظيفة الأدب، وكل فرد سيجيب بنفسه عن هذا السؤال.

في “بالاك”، يسمح الإيمان بالصدفة بتوقّع كل الاحتمالات والعوالم الممكنة؛ لا توجد حقيقة واحدة ولا معتقد واحد ولا فكر واحد. ألا يمكن اعتبارها أيضا رواية الممكن والفوضى (للفكر، للإنسان وللأفكار)؟

إلى درجة ما كان هذا هدفي وهو أن أفهم أبحاث ونماذج علماء اليوم والذين يتحدّث بعضهم عن عوالم موازية تتولّد عند كلّ حركة. باختصار، كل حركة يتولّد عنها إمكانات وعالم جديد سيتبع طريقه داخل حقيقة دقيقة، وهو بدوره سيولّد عوالم عن طريق حركة جديدة لا نهاية لتفرعاتها. ما يعني بأن كل شيء يحدث، كل العوالم موجودة وكل الإمكانات واردة في كلّ لحظة ولا يلزم ذلك إلا حدوث حركة ما لأن عالما ثابتا وغير متحرّك لا يولّد شيئا، هو عالم مجرد وأبدي.

ولأعطي لك مثالا سأعود إلى لعبتي المفضلة، اليام: إذا ما أخذنا نردا ورميناه، هنالك ستة احتمالات بأن يقع على 1، 2، 3، 4، 5، أو 6. نعم، هنالك أيضا احتمال أن تقوم الشرطة بمصادرة النرد لكننا سنلغي هذه الفرضية في حالتنا التوضيحية هذه. المهم، هنالك ستة احتمالات لكن الحقيقة لن تمنحنا إلا احتمالا واحدا. علماء الفيزياء النظرية يظنّون بأن النرد سقط في الواقع على الأوجه الستة وذلك في ست عوالم مختلفة موجودة بالتوازي لكننا لسنا إلا في واحد منها في كلّ مرة. العلاقات التضمينية كبيرة جدا، هذا يعني بأن الصدفة لا وجود لها لأن النرد قد سقط على أوجهه الستة وبأننا محظوظون حتى ولو بدا لنا عكس ذلك في خمسة عوالم من العوالم الستة الموجودة. وهنا يبدأ بالاك، بطل الرواية، في الشكّ. إذا كانت كل الاحتمالات تحدث فلا وجود للصدفة وهذه الأخيرة ليست ربًا، بل هي مجرد إسقاط للواقع، هي ظلّ للكون وليست الكون في حد ذاته.

هذه الرواية هي الثانية من ضمن خمس روايات أنت بصدد نشرها والتي خصصتها للعلوم والميتافيزيقا. بعد أن تحدثت عن الجاذبية في رواية “الحمار الميت” وعن الصدفة في “بالاك”، ماهي المواضيع التي ستتطرق إليها في الروايات الثلاثة الأخرى؟ وما الذي كان وراء هذه السلسلة؟

نعم، تساءلت بيني وبين نفسي عن الثيمات الأساسية للفرد البشري والتي يجب عليّ لزاما الخوض فيها مجددا. بدا لي بأنها تتمثل في الجاذبية، هذه التي نحتت الكون ومن دونها لن يكتمل أيّ شيء وسنغدو مجرد أرواح تتطاير في الفراغ؛ الصدفة، هذه القوة الخارقة. ثم وفيما يخص الكتب القادمة فقد اخترت موضوع الطاقة، هذا الشيء الغريب الذي لا يمكن تدميره ولا خلقه، هذا الشيء الذي لا ننفك في تحويله منذ البيغ بونغ إلى طعام، كهرباء أو حرارة، والذي به نحيا وفي غيابه سنموت حتما، كل هذا مرتبط طبعا بالبيولوجيا التي تتمثل وظيفتها الأولى في خلق المادة التي بها يمتلئ الكون الفارغ. العمل الرابع سيكون حول اللاوعي، هذا الأخير بمعيّة صنوه التقابلي، الوعي، يجسد لوحده الواقع الذي لا وجود له من دون وعي بهذا الواقع، وهو مفهوم أساسي بالنسبة للفرد البشري. أخيرا، وفي الجزء الخامس، سأستكشف عوالم الحلم والموت، موضوع رئيسي بدوره مع ما يحمله من تفاعلات لا تزال تعريفاتها ناقصة بين الحلم (وهو نوع من أنواع الموت) والموت (وهو بدوره نوع من أنواع الحلم).

ومن المؤكد بأن الأمر متعلق باختيار شخصي، فقد قرّرت أن أجعل من هذه التصوّرات الجوهرية روايات خفيفة لكنها ذات مستوى قراءة حرّ يسمح بالعودة قليلا إلى العلم، هذا الأخير أدرنا له ظهرنا وسعينا إلى عقل شبه سحري يفسر حاضرنا ويتحكم في مستقبلنا. باختصار، هو مزيج من القليل من العقلانية، الميتافيزيقا، القصة، الفكاهة، بعض العناصر الحديثة للبحث وتساؤلات عميقة، كل هذا في الكتب الخمسة وبسعر زهيد: 800 دج للكتاب الواحد.

لماذا هذا الخيّار؟ لا يستهويني كثيرا أدب “الأنا”، “أظنّ بأن” أو “سأروي لكم قصة حياتي”، وهذا بالرغم من كونه أدبا غير مدان. هنالك الكثير من الأشياء مازال يمكن القيام بها في الأدب، لم ينته كلّ شيء. بالمناسبة ووفقا لحساباتي، سأموت حال صدور الجزء الخامس من هذه السلسلة والذي يتطرّق إلى الموت، وسيكون ذلك نجاحا مهنيا باعتبار الأمر نبوءة أدبية تحقق ذاتها. سأكون غنيا ومشهورا لكن ميتا. للأسف، لست محظوظًا.

حاورته: سارة خرفي

ت: جلال الدّين سماعن

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …