الإثنين، 17 يونيو 2019

مظاهرات الجزائر: هل أنا أنتمي؟

نائلة تواتي

قد يكون جوهر ما حصل من أحداث أخيرة، في الجزائر، ليس في دمج الشّعب للصّوت السّياسي الذي انقطع عنه، ولا تبنيًا لاحتجاج واضح، بل إن الأمر في كفّة أخرى تمامًا، وهو ما حصل لي أثناء المظاهرات؛ إنها ثورة باحثة عن طابع للانتماء الجزائري.

إن الانتماء لا يعني الهوية، أو ربما كجيل حداثي هاجر بشكل شرعي وغير شرعي، تعب من الأوزار التي حملها لنا الوطن أو الأجيال السّابقة المحافظة، لذا فكلمة هوية تُربكنا كثيرا. إن الانتماء ليس ما يحدد المواطن، بقدر ما يجعله يشعر بالألفة، وهذا ما لم أشعر به داخل الجزائر.

إن الجزائري انسان مُفتت، جمع كلّ الانتماءات في محاولة أن يكون جزائريا.

لقد كبرت على المسرح المصري والأغاني الطربية المصرية، ثم انتقلت إلى الدراما السورية بأجوائها التي تتخلل كلّ البيوت في رمضان وغيره، ثم كبرت قليلا وانتقلت إلى هوليوود والسينما العالمية. وتخلل هذه المراحل الثلاث بعضا من أغاني الشاب خالد وحسني والقليل جدا من آخرين، حيث لا تستوقفني كل الأغاني، وأغاني المناسبات كالعيد لعبد الكريم دالي، حتى وردة أخذت منا، وكان كل نجاح يتسم بالشرق.

لم يكن هناك سينما جزائرية، ولم أبك كمراهقة على قصة حب جزائرية في التلفاز. لم أسمع كلمة: نحبك في التلفاز، لقد سمعتها بكل اللهجات الشرقية (بحبك) وحتى الفصحى (أحبك) كبديل للدبلجة للأفلام والمسلسلات المكسيكية قديما، والآن في السينما العالمية أسمعها بكل اللغات، الأمر معمم على كل القصص الأخرى، هناك رذاذ في ذاكرتي من السينما الجزائرية، رذاذ كوميدي وعائلي لما يستفزّني كثيرا حسّه كشابة.

إن المواطن لا يملك ما يجمعه مع الآخر هنا، ولا يوجد ما يعكس واقعنا، إننا شتات متغرّب في الوطن، نبحث عنا في الآخر ولا نجدنا، لكل مشاهده الخاصة، التي قد لا أصلها. الكل مُتعب من شحذ انعكاسه هنا وهناك. لقد تبنينا القضية الفلسطينية أكثر من أي دولة لأننا نبحث عن انتماء ما، نجاهد لطبعنا في قالب معيّن رغم أننا تعساء كفلسطين تماما. إننا مزيج من الشرق وثقافته، ولهجة عربية تتخللها كلمات فرنسية، بالإضافة إلى اللهجات الأخرى، وكحداثيين أضفنا الإنجليزية اليوم.

حين كنت في المظاهرات مسّتني تلك الرغبة في أن أنتمي وأن لا أقدم على الهجرة، لأنه ليس هناك شيء سأمر عليه في شارع ما يذكرني بالجزائر، بقدر ما سأتذكر دولا أخرى لم أعرفها إلا في التلفاز، وشعرت لأول مرة أننا نلتحم لنعيش سويا، ولقد غاب حسّي الثقافي تجاه الأمور وتذكرت اقتباس ولتر ستيس الذي أشعرني أنني لا أقرأ فقط بل أرى ما أقرأ، في اقتباسه: “وكقاعدة عامة لا يوجد سوى المثقفين جدا والأذكياء من الناس هم الذين أنكروا ما هو صادق بوضوح، أما رجل الشارع فهو أقلّ ذكاء لكنه أشد إحساسا”. ولقد رميت نفسي لرجل الشارع، ورمينا كلنا أنفسنا له حتى نُثقل بالانتماء، الذي كان اللاوعي للانتفاضة، كان الوضع كسيناريو الإنسان المغيّب عن الحقيقة ويظهر هذا السيناريو في نهاية الحلقة ونكتشف مدى غبائنا في تركيب الأحداث.

شيء يجمعنا لمرّة، أن يسقط النظام لنلتحم مجددا، وألا نكون غرباء، وألا تجمعنا سوى المظاهرات في الشارع، بل يجمعنا الفن والحب والمقاهي، إلخ. أتذكر أنني أخبرت صديقا لي أنني سهوت أثناء المظاهرات ولتأثري بالثورة المصرية كدت أن أردد عبارة مثل “يسقط.. يسقط حكم العسكر”، إلا أنه رغم تأثره بها، أجابني بأنه اندمج كليا وغنى كطفل صغير النشيد الوطني وكل ما يرددونه، وأشار أنها بقايا فقط على أن أتحملها.

لقد عانيت أثناء إنجازي لمزيج للمظاهرات في إيجاد خلفية موسيقية جزائرية، فكان كل ما لدي عن الوطن، الشاب مامي يغني في الغربة عن حنينه واشتياقه للجزائر، ربما هناك أغنيات، لكنها لم تطلني لأنني لا أعرف أيّ أغنية، وأقولها كشخص يشعر بالأميّة. وهنا أركّز أنني لا أبحث عن الهوية الجزائرية ولا أي متربات وطنية، بقدر ما أريد أي شيء يعكسني هنا حسب الخطاب الجزائري فقط. وإن كان هناك شيء يُطالب به فهي الكرامة لا الوطنية.

أثناء المظاهرات، شعرت أنني عجوز، وأن الأمر انفلت من يدي رغم أنني في عزّ شبابي، وأردت فقط، أن يأتي الذي بعدي أين يستطيع أن يكتشف نفسه ويجد انعكاسه في مكان ما هنا، ثم لاحقا يختار ما يشاء من الآخر، وشعرت أنني رهينة الآخر دون اختياري، وأن التّغيير يبدأ لمن بعدي. إن الغربة في الوجوه والوطن كان أسوء شعور عايشته. إن الأمر ليس في سقوط النظام فقط، إن الأمر في البحث عن الألفة حين يسقط. وقفت وسط الحشود وتساءلت: من أنا؟ فكنت كل ذلك، ولم أكن أريد كل ذلك الزّخم الذي بداخلي.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …