الخميس، 17 أكتوبر 2019

أليس فيكنّ سيدة رشيدة؟

جلال الدّين سماعن

شرعيّة الشّارع

مخطئ بل وساذج من يعتقد لوهلة بأن النّظام – بشقيّه الظّاهر والباطن – سيستسلم بسهولة. مخطئ أيضاً ذلك الذي يتمادى في تفاؤله حيّال ما يحدث ولا يمنح لنفسه هامشًا من الشكّ والاستعداد لأفدح السيناريوهات التي قد تحدث.

الأمر لا يتعّلق بيأس مستبد لا يريد أن يفارق الكثيرين من أمثالي لكن بعضا من “التشاؤم الواقعي” لن يضرّنا في شيء؛ بل سيدفع بنا إلى التفكير جديّا وإيجاد إجابة للسؤال الذي يراود الغالبية العظمى من الجزائريين في الوقت الراهن: ماذا سنفعل الآن بعد حوالي أربعة أسابيع من بداية الحراك؟

بالفعل، قد تكون لهذه الانطلاقة المباغتة وغير المنتظرة للحراك دور في “الحيرة” التي يعيشها الجزائريون حاليا، لكن ذلك لا يجب أن يمنعنا من مواصلة ما بدأناه مع التيّقن بأن الطريق لا تزال طويلة (جدًا) خاصة وأننا عازمون على المضي في “سلمية” هذا الحراك وعدم منح الفرصة للأطراف التي تريد له الانزلاق والوقوع في فخّ العنف، الخاسر الوحيد فيه سيكون الشعب البسيط لا محالة.

بالرغم من كثرة الأسئلة والتكهّنات بما سيقع في قادم الأيام إلا أن السؤال الأبرز قد يكون متعلقا بالطرف الذي يستحق أن يحظى بثقة الشعب ويمنحه هذا الأخير فرصة تمثيله في حواره وتفاوضه مع السلطة الحاكمة والنظام الذي يريد له الجميع أن يسقط. لكن للأسف، بدأت بوادر الانشقاق تظهر في صفوف المتظاهرين وتزداد يوما بعد يوم. هذا الشعب الذي كان يخاطب السلطة قائلا لها: “كاين كثر من ثنين وربعين مليون جزايري قادرين يكونو رايس ماشي غير بوتفليقة”، وجد نفسه غير قادر (أو لا يريد؟) حتى على تعيّين أشخاص يمثلّونه للتفاوض مع من يحكمونه. عوض أن نجد أنفسنا أمام أزيد من إثنين وأربعين مليون فرد يمكنه أن يصبح رئيسا وجدنا أنفسنا إزاء إثنين وأربعين مليون “علي بن شيخ”: الكلّ يرفض الكلّ، الكلّ يقصّي الكلّ ولا أحد يصلح أو على حق، و”غير فولي ألي طيّاب”.

في كلّ مرة تُقترح فيه شخصية ما إلاّ وسارعت الأغلبية إلى إبداء رفضها بل وحتى شيطنته. ربما الأخطر من ذلك هو الرفض القاطع لأيّ حوار مع السلطة الحاكمة. بهذه الفعلة، لا يدري الجزائريون بأنهم بصدد تقديم خدمة جليلة لها، هذه السلطة من مصلحتها الاستمرار في كسب وقت أكبر وفي المماطلة لعلّ وعسى تتمكن فيها من استنزاف الحراك أولاً وإعادة ترتيب صفوفها وإيجاد سبيل يساعدها من الخروج في مأزق هي الوحيدة التي وضعت نفسها فيه ثانيا.

أليس فيكنّ سيدة رشيدة؟

يقول الكاتب الفرنكو – لبناني أمين معلوف على لسان شخصية من شخصيات روايته “سمرقند”(1988): “يخوض الرّجال الحروب لكن النسوة هنّ من يقررن ضدّ من”. أسوق هذه الجملة تعقيبا على فيديو كان من بين أولى الفيديوهات التي ظهرت بمجرد إعلان النظام نيته في ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة. استعمل صاحب الفيديو جملة “أليس فيكم رجل رشيد؟” تحولت لاحقا إلى واحد من أقوى الشعارات التي تبناها الحراك وخاصة في مسيرته الأولى.

وعملا بمقولة معلوف، كان على صاحب الفيديو تأنيث الجملة والتوجه بالتوسّل والاستجداء إلى نسوة هؤلاء الذين يحكموننا ذلك أن القرار في حقيقة الأمر في يدهن ووحدهن القادرات على تجنيب الجزائر أشياء جدّ سيئة هي في غنى عنها. “بجاه ربي والنبي وسيدي الجودي ألطفن بحال أمّة لا تريد إلا شيئا من الحرية والكثير من الكرامة. لقد تمادى أزواجكن وأبنائكن، وعليكن الآن التفكير في بلد بأكمله وأن توقفنهن عند حدهم. أنتن أملنا الوحيد وسيشهد لكنّ التاريخ بذلك؛ اغتنمن الفرصة وأدخلن التّاريخ من بابه الواسع ولا تكنّ كأزواجكنّ الذين ستلعنهم الأجيال اللاحقة. فكرنّ في سمعة أبنائكنّ مستقبلا وكيف سيتحوّل لقب عائلتهم إلى وصمة عار تتبعهم إلى آخر يوم من حياتهم!”

كتاب “الأيام الأخيرة لمحمد” لهالة وردي

شاءت صدفة أن تتزامن قراءتي الحالية لهذا الكتاب القيّم مع ما تعيشه الجزائر من حراك. وأدعو القرّاء إلى البحث عن هذا المؤلّف وقراءته لأنه سيُساعدهم على فهم أشياء رهيبة تتعلّق بالحكم، السلطة وخاصة ذلك السحر الفتّاك الذي يمارسه الكرسي على الأشخاص مهما كانت مكانتهم ودرجة نزاهتهم. أشياء عديدة وقعت في الأيام الأخيرة للرسول صلى الله عليه وسلم، تتعلق بمن يتولّى الخلافة من بعده، يمكن ببساطة إسقاطها على ما يجري حاليا في الجزائر.

هذا الكتاب (الذي اعتمدت صاحبته في كتابته على مصادر تاريخية هي نفسها تلك التي يقتبس منها أصحاب “أين كنّا وأين أصبحنا” في تغنيهم بأمجاد وشخصيات الدّين الإسلامي) يمكن اعتباره وثيقة سياسية بامتياز ينهل فيها من يشاء اكتشاف أسرار صعوبة انتقال السّلطة من شخص إلى آخر والمناورات التي تُصاحب هذا الانتقال. باختصار، حين يكتشف الجزائريون (أو يعيدون اكتشاف) أن الرسول (ص) لم يُدفن إلاّ بعد يومين من وفاته وهو الذّي كان يحرص على حثّ المسلمين على الإسراع في دفن موتاهم، حين يكتشفون ما حدث بين عائشة بنت أبي بكر، فاطمة بنت محمد وحفصة بنت عمر، حينها فقط سيعيدون حساباتهم ويتيّقنون بأن “إسقاط نظام” ليس بالسهولة التي يعتقدون!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما …