الخميس، 24 أكتوبر 2019

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن

رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من السّينمائيين الجزائريين، يندّدون بثقل الدين، البطالة والحرمان… سينمائيون يحكون قصة مجتمع يختنق.

«انتابني شعور بالخزي من بلدي حين علمت بأن بوتفليقة ترشح مجددا، لكنني شعرت بالكثير من الفخر حين استعدت، وأنا أتظاهر، مكانتي كمواطنة. لم يعد اليأس يُثقل كاهلنا ولا تلك الحرب الأهلية التي أضعفت كل شيء، من الاقتصاد إلى الثقافة»، صوفيا جمعة.

صوفيا جمعة
صوفيا جمعة

يُظهر الفيديو صورة شاب، وجهه مخضرّ من الغضب، يرتدي بذلة سويت بقبعة زرقاء اللون، لا يبلغ سنه العشرون: “أوجّه هذه الرسالة إلى بوتفليقة. أنت لم تعطنا عملا ولا منحة بطالة! وتمنعنا من الهجرة؟ إذن: إما أن تستقيل أو أن تتركنا نهاجر! وها أنت تحدّثنا عن الانتخابات؟ هذا ما سنفعله بانتخاباتك…”. وهو جالس على مدرجات ملعب في الجزائر العاصمة وسط حشد من أنصار الكرة، يُخرج هذا الشاب من جيبه بطاقة انتخاب مزعومة ويقوم بإحراقها بكل هدوء. “الثورة، يا إخوان، الثورة!” لم يصوّر هذا الفيديو في أيامنا الأخيرة هذه بل يعود إلى سنة 2012، السنة التي شهدت انتخابات تشريعية؛ وهو يشكل مقطعا من شريط وثائقي بعنوان “Fragments de rêves”، من إخراج بهية بن شيخ، سينمائية قسنطينية عمرها 42 سنة.

منذ سنوات طويلة كان يُعبّر في الوثائقيات والأفلام الجزائرية عن هذا التبرّم الذي تشهده شوارع البلد. في بداية الألفينات ومع نهاية “العشرية السوداء”، حمل شباب شغوف بالسينما وعصاميّ في معظمه كاميراتهم ليظهروا لنا جزائر اليوم. في بلد لا تتعدى فيه قاعات السينما عدد أصابع اليدين كما أن انتاجه السينمائي باهت جدا ويعاني من الرقابة، يحاول الفن السابع الجزائري أن يحكي مواجع الجزائريين، حرمانهم، حلمهم بالهجرة، أن يحكي معاناتهم مع الدين والبطالة والمستقبل المرهون…

«منذ سنوات وأنا أتوقع هذه الثورة. قامت السلطات بمنع عرض فيلمي Contre-pouvoirs حول صحفيي جريدة ElWatan بدعوى أن الشعب الجزائري “لم يكن مستعدا”. هذا الحراك يظهر مدى النضج الذي بلغه الجزائريون»، مالك بن سماعيل.

مالك بن سماعيل
مالك بن سماعيل

في فيلم “السعداء” لصوفيا جمعة، بطلان هما زوجان كانا مناضلين سابقين في حراك أكتوبر 1988 ونجحا في الحصول على عملين محترمين، الزوج كطبيب نساء في حين أن زوجته أستاذة جامعية، ويقضيان وقتهما في شرب الخمر في عمارات أصدقائهم المثقفين، لا يفكران إلا في شيء واحد: دفع ابنهما الوحيد، وهو طالب، إلى الهجرة بعيدا عن بلد لم يعودا يتحملان “تزمته” وفقدا كل ثقة فيه.

في “ضدّ السلطة” (Contre-pouvoirs) لمالك بن سماعيل، وأثناء أدائهم لواجبهم المتمثل في تغطية إعادة انتخاب عبد العزيز بوتفليقة كرئيس للجزائر سنة 2014 بالرغم من الجلطة الدماغية التي أثّرت فيه بشكل لافت، يتهجم صحفيو جريدة ElWatan على حملة وصفوها “بالكرنفال”، على “عهدة رابعة عاشها [الشعب] كشكل من أشكال العنف وعلى رئيس “لم يعد رجل الاستقرار بل رجل التفرقة”.

في فيلم “في انتظار السنونوات” (En attendant les hirondelles) لصاحبه كريم موساوي، ترضخ امرأة (مفروض عليها بأن ترتدي خمارها في كل مرة تخرج فيها) ولا تُبدي أي اعتراض حين يتم زفّها إلى رجل لم تختره، لكنها تكرّم نفسها بقضاء ليلة أخيرة مع سائق طاكسي كانت قد تعرفت عليه في الماضي. أما فيلم “في رأسي ساحة دوران” (Dans ma tête un rond-point) لحسان فرحاني فيجسد قصة عمّال في مذبح العاصمة الكبير الغارقين في عرقهم وفي دمائهم والذين هم على وشك الوقوع في جحيم البطالة فيتبدى لهم خياران لا ثالث لهما: الانتحار أو الهجرة…

هكذا سترتسم من فيلم إلى آخر صورة بلد يغلي ويعيش حالة اختناق.

يقول إلياس سالم، 45 سنة، مخرج فيلم “الوهراني”، الذي عرّى أسطورة محاربي التحرير وحزب جبهة التحرير الوطني: «في الجزائر، لا نمارس السينما فقط من أجل السينما. نُخرج أفلاما لأننا بصدد القيام “بمهمة”، لأننا في حاجة ماسة إليها: نريد الحديث عن بلدنا، نريد امتلاكه من جديد وإظهاره إلى العالم». لم يتعرض فيلمه “الوهراني” إلى الرقابة وهو شيء “غريب” بحسب صاحبه. إلا أنه طاف بكامل الجزائر حاملا معه أسطوانة الفيلم (35 مم) ليجد قاعات ونوادي سينما وسينيماتيكات غير مزوّدة بنظام البث الرقمي.

«أنتمي إلى هذا الجيل الذي يسعى إلى القيام بأشياء في الجزائر، والذي يحاول أن يخاطب أهله ليجد نفسه أمام جدار المنع من العرض في المهرجانات الوطنية. أما الآن فقد رُفع الغطاء»، حسان فرحاني.

من فيلم "في رأسي ساحة دوران"
من فيلم “في رأسي ساحة دوران”

على غرار المخرجيّن تريفو وغودار ممن جايل الموجة الفرنسية الجديدة، بدأت حياة السينمائيين الجزائريين الشباب كمشاهدين مولعين بالسينما. لقد اشتروا أعدادً هائلة من أقراص الديفيدي، شاهدوا كيلومترات من أشرطة الأفلام، وأحيوا نوادي سينمائية مثل Chrysalide في الجزائر العاصمة وهو النادي الذي عرف انبثاق موهبة كريم موساوي وحسان فرحاني. «أدركنا منذ بداياتنا بأنه يسهل طرق أبواب المنتجين العالميين أكثر من أبواب المنتجين الجزائريين، وهذا الشيء هو الذي سمح لنا بفرض أنفسنا»، تقول صوفيا جمعة، 40 سنة. يوم عُرض فيلم “السعداء” بقاعة السينماتيك بوهران شهر نوفمبر الفارط، كانت مكتظة عن آخرها بمشاهدين قطعوا الساعات الطوال في الطريق من أجل التنقل والحضور، فقد جاءوا من سيدي بلعباس، معسكر وغيرهما، ورفضوا مغادرة القاعة بعد انتهاء الفيلم. «استغرق النقاش حول الفيلم ثلاث ساعات كاملة، وتواصل في مقهى بعد أن أغلقت القاعة أبوابها. جاء الناس ليقولوا لي: “شكرا لأنك عبّرت صوتا وصورة عن حياتنا”».

«المشكل ليس في بوتفليقة فقط، هو مجرد رمز لإخفاق نظام بأكمله وفي كل الميادين الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية… بعد أن أصبح علما وطنيا، يجب أن يُوضع الأفلان في المتحف ويتم تغيير اسمه وأعضائه»، كريم موساوي.

كريم موساوي
كريم موساوي

تحظى الأفلام الجزائرية بتتبع من نقاد العالم بأسره. فيلم “مسخرة” (Mascarade) رُشح لجوائز السيزار سنة 2009، كما اُختير فيلم “قنديل البحر” للمنافسة في جائزة لاكانزين للمخرجين في “كان” سنة 2016. دخل فيلم “في انتظار السنونوات” المنافسة في صنف “وجهة نظر” سنة 2017 ونال فيلم “السعداء” جائزة أحسن دور نسوي في صنف أوريزونتي في مهرجان البندقية لنفس السنة… غير أن الجزائريين يواصلون اكتشاف هذه الأفلام من خلال الستريمينغ، الديفيدي أو يشاهدونها على أغطية بيضاء يعلقونها على جدران القرى؛ هذا إذا ما لم يتم منعها فيضطرون حينها إلى تبادلها في سرية. يقول مالك بن سماعيل، 53 سنة: «منذ سنوات وأنا أصوّر هذا الشعب الذي يتظاهر في الشوارع والذي لم يعد يرى ذاته في تلفزيون البروباغندا الوطني أو تلفزيون الرئيس بوتفليقة الذي أصبح افتراضيا. ثم إن ما أصوّره يتعرض أيضا للرقابة منذ سنوات. تسمح الدولة بالنقد المكتوب في الجرائد والكتب لأنه، في نظرها، لا يمّس إلا النخبة، لكنها أقل تسامحا مع النقد المرئي كونه أكثر جماهيرية وبالتالي أكثر خطورة».

«هو حراك هائل، هادئ، سلمي وحازم، ولم تعتريه تقريبا أي تجاوزات. لطالما قيل بأن الجزائر محكوم عليها بالعنف وبالمواجهات. وهاهم المتظاهرون اليوم يُبدون للعالم بأسره عكس ذلك»، إلياس سالم.

إلياس سالم
إلياس سالم

في ديسمبر الماضي، أمضى العديد من السينمائيين، الممثلين والتقنيين على عريضة يرفضون فيها تعيين سليم عقار (عضو في هيئة المشاهدة في وزارة الثقافة) كمدير لسينيماتيك الجزائر العاصمة، كما قاموا بتأسيس الكراك (تجمع التجديد الجزائري للسينما) للدفاع عن حرية التعبير. كلهم نزلوا إلى الشّارع. ففي الوقت الذي كان بباريس، استقل كريم موساوي، 43 سنة، أول طائرة متوجهة إلى الجزائر العاصمة كي لا يفوّت على نفسه حراك الفاتح من مارس. يقول: «لم يستوعب المسؤولون ما أردنا قوله من خلال أفلامنا. لم يدركوا بأن الشباب الجزائري قد تطوّر ولم يعد خائفا، وبأنه بات مستعدا لشكل آخر من النظام، “لجمهورية ثانية”». بالنسبة لهؤلاء السينمائيين الجزائريين: لقد التحق الواقع بالمتخيّل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …

جنس، لكن بكل سريّة واحترام

بثينة سرمدة مدينتي المحافظة في مظهرها، الملامسة للسماء بمنارة مسجدها الكبير ، المغازلة لماء الخصوبة …