الأربعاء، 21 أغسطس 2019

“ماركي فالحيط!”.. حين يشتبك الحراك مع اليومي

عبد الوهاب عجروم
عبد الوهاب عجروم

1

صالح صاحب محل المواد الغذائية، في الحيّ الذي نشأت فيه، رجل فاضل؛ على الأقل لديه قائمة كبيرة يكتب فيها ديون فقراء الحيّ. أذكر أنني كنت صغيرًا، في المرحلة الابتدائية، حين ذهبت إليه أول مرّة وقلت: “بابا يقولك: أعطيني باكي سباغيتي، وحدة سيليكتو، وماركي فالحيط”.

كنت قلقا بعض الشّيء، كنت أشعر وكأنني أقوم بعمل غير لائق، سرقته ربّما. مع الوقت، تكرّر هذا الطلب كثيرا، وألفته بعض الشيء. لا يمكنك العيش في الجزائر دون أن تكتب في حيط محل المواد الغذائية القريب من البيت.

تمثّل هذه “الكتابة في الحيط” عقدا بين البائع والمشتري، يأخذ بموجبها المشتري سلعا تموينية، لا كمالية، إلى أن يقبض راتبه آخر الشهر، بينما يضمن البائع مشترين أوفياء، ربما طول العمر. كانت الكتابة على الحيط مقياسا لمعرفة أي من الأسر اللي “قاعدة تترفه”، وتلك التي لا تزال تحت وطأة الفقر. ألا تكتب في حيط “البيسري” لثلاثة شهور متواصلة تعني أنّ أحوالك بدأت تتحسّن، غالبا ما يكون توظف أحد أولادك، أو سافر أحد آخر للبحث عن لقمة العيش.

تعطي الكتابة على الحيط ثقلا اجتماعيا للبائع، بمعرفته أحوال الناس المادية، يصبح بموجبها مستشارا حين تقرر خطبة إحداهن. “الكتابة في الحيط” من صميم حياة ساكنة المدينة، أو الذين يسكنون الأحياء الشعبية على الأقل.

ثمّة شيء لا يمكنني أن أتجاوزه؛ أوّل مرّة قمت فيها بطلب الكتابة في الحيط، في حساب مختلف عن حساب والدي، في حسابي الشّخصي. شعرت يومها، للمرّة الثّانية بشعور غريب، لم يكن قلقا، أو انزعاجا، بل كان إحساسا بالرجولة، بالامتلاء، بأنني أخيرا تحررت من سلطة الأب. أن تكون قادرا على الاستدانة، للعيش، بمفردك، يعني أن تقنع صاحب المحل بأنك قادر على الوفاء بدينك في نهاية الشهر، الأمر الذي يعني أنّك أتممت طقوس العبور من مراهق لشاب ذو استقلالية.

تصبح “الكتابة في الحيط” أمارة على الرشد، على تحمّل المسؤولية، على أخذ المبادرة، على الخروج عن سلطة الأب، على تحمّل أعباء شاقة، ولكنّها تنبض بالحياة.

الكتابة في الحيط ليست ترفا، ولكنّه اشتباك مع الحياة على مستوى اليومي، وحين تطلب من البائع أن يكتب فأنت تضع منبها يوقظك كل صباح: قدامك طريق طويل وأهداف كثيرة عليك القيام بها!

2

منذ أسابيع، بدأ الجزائريون يتفنّنون في أشكال التّعبير عن آرائهم، فبعد الجمعة الأولى وكسر حاجز الخوف، ثم الجمعة الثانية وتأكيد استرداد الشارع، كانت الجمعة الثالثة فاتحة الإبداع، ورابعة لصور من التعبير عن الرأي، تنتمي كليّة إلى جنوب الأرض، إلى شعوب العالم الثالث، إلى دول ما بعد الاستعمار، إلى الجماهير التي تصدّر الحرقة، والزطلة، والقتلة، إلى شعوب ما تحت جدار ترامب، إلى البؤساء.

الاتصال بمستشفى جنيف، وقصر الرئاسة بباريس، وموسيقى الشارع، وتجمّعات الطلبة في الجامعات، ودعاوى إقامة المحاضرات في المقاهي والساحات العامّة، و”يتنحاو قع”؛ كلّها كانت صورا جمالية ملأى بالمعنى ورمزيةً للمكنات الجديدة التي فتحها الحراك للجزائريين في التعبير عن آرائهم. غير أن الكتابة على الحيط كانت شيئا مختلفا.

تنتمي الكتابة على الحيط لصميم اليومي الجزائري، التّذكير بما يجب عليك القيام به قبل نهاية الشّهر، صحيح أنّه ربما لا يدري أحد من الذي دعا إلى الكتابة، بل ربما لا ندري من أول من كتب وعلّق ملصقته، ولكنّها كانت تعبيرا انتظم الجزائريون جميعا في تأديته، كان عفويا، جميلا، مرتبا، رمزيا، لدرجة ساخرة.

ولماذا ساحة أودان؟ لا أحد يدري كذلك لماذا على جدار أودان، مباشرة خارج نفق الجامعات (غار حراك)، ولكنّ ربّ صدفة خير من ألف ميعاد. كانت الملصقات كثيرة ككثرة عدد المتظاهرين، ملوّنة بألوان الأمل، مختلفة كاختلاف أحلامنا في هذا الوطن، يكتبها الجميع بخطوط تقرأ بعضها وتعجز عن قراءة الكثير. توضع الصور واحدة فوق الأخرى، لأعلى، حتى لا يمكنك أن ترتفع.

هي آمالنا نكتبها في الحيط، مثل دين نرغب بسداده في النهاية، هي آلامنا التي نرغب بتجاوزها، نقوم بطقس التعافي الجماعي منها، هي ذواتنا التي لم تعد تخاف الحرف، هي أجسادنا الملوّنة، أصواتنا التي غابت لعشرين سنة، هذا الحيط يعبر عن القيام، قيام الشعب، يعبر عن ترك الأثر، أثر الحياة.

3

حين نقول: “يروح بوتفليقة نحبس التدخين”، فكلّما نريد فعله هو إعطاء صورة مادّية لهذه الفكرة التي تخامر عقولنا منذ سنوات. ونعم بوتفليقة للجزائر، مثل سيجارة مصنّعة بمواد قاتلة. على الرغم من أنّه كان يمكن أن يكون سيجارة حشيش خضراء، نتراقص حولها في المغيب.

حين نقول “العدالة والمساواة لقاع”، نستذكر القاع، تلك القطاعات التي لا تزال تئن تحت وطأة الظّلم، تلك الكلمات التي لا نزال نخاف من قولها، تلك الأجساد العارية في جنوب الجزائر، تعمل ساعات طوال، تحت لهيب الشمس، ليستفيد من هو وراء البحار من عرقها، فقط لأنّ حكومة فاسدة منحته حقّ الامتياز!

وحين نقول: “الحل هو الشعب”، فإننا نقصد”نا” نحن الشعب، نحن الذين نختلف على كل شيء، على شكل الدولة، والهوية، وتسلل مهاجم كرة القدم، وأي من الشخشوخات ألذّ. نحن أبناء الشعب المليؤون بالتناقض، والمتقبلون له، نحن الذين “نحبوا نعيشوا كيما أبي لهب ونموتوا كيما أبي بكر”، نحن الشعب، الحلّ. الحلّ لأننا بسيطون، بريؤون، نحبّ هذا البلد رغم كلّ شيء، وحتى مع الاختلاف يمكننا أن نتفاهم، أو على الأقل أن يكون اختلافنا لصالحنا، بدل أن نكون ضحايا لعصابة سرّاق ولصوصية. الحلّ هو الشعب بأطيافه، بلغاته، بقصّات شعره المتعددة، بعدد قصص الحب التي تكسّرت على سواحله، بعدد الدمع، بعدد المفقودين خلف القضبان وبين موجات بحرنا. الحلّ هو الشعب وليس أنتم.

وحين نقول “رجعو الشاطو لولاد سانتوجي”، فنحن نعني من استغلّه دون وجه حق. الشاطو الذي كنّا نخافه ونحن صغار، كانوا يخوّفوننا به: “يسكنوه جْنون”، تم ترميمه وتسليمه لأحد ما. نحن نرغب باستعادته، وباستعادة كلّ ممتلكاتنا، المادّية منها والمعنوية، نحن نطالب بأن يعود كل شيء ﻟ”لولاد”، “الولادْ” واحدة من أجمل التعبيرات عن شباب الجزائر.

نحن لا نشيخ، نحن لا نكبر، نحن لا نموت، نحن “الأولاد” أبدا. أحلامنا تظلّ قائمة على جدراننا، ومآسينا تظل هي الأخرى معلّقة هناك.

لا أرغب بأن أثقل كاهل هذا الفعل بالرمزية، مع أنّه يحتمل منها الكثير. كلّ ما أرغب في قوله هو أنّني وجدت فيها شيئا مختلفا، شعرت تجاهها بطريقة مختلفة؛ كأنّني كنت أرغب بأن أكتب وأعلّق في جدران الجزائر مذ كنت صغيرا. أرغب بأن أجعلهم يرون ما أرغب به. لا تهمني كيف يتفاعل النظام مع ملصقاتي، كلّ ما يهمّني هو أن أتواجد هنا. هذه الجدران لي، أنا الذي عشت طويلا لا حائط لي، لا سقف لي، لا ظلّ لي.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …