الإثنين، 27 مايو 2019

كيف نقرأ الحراك الشّعبي؟

جلال الدّين سماعن

ص: ليديا سعيدي
ص: ليديا سعيدي

الرّاسخون في القراءة وفي تتبّع المشهد السياسي الجزائري كانوا يتوقعون حدوث ما يحدث حاليا في البلد. ربما كان أوّلهم محمد بن شيكو وكتابه “بوتفليقة، تضليل جزائري” (2004). لكن قلّة قرعت السمع لتحذيراته فدفع الثمن وحيدا حين تم سجنه وتوقيف جريدته.

قد يكون مصير بن شيكو خوّف البعض لكن السبب الحقيقي وراء سكوت وتواطؤ الكثيرين هو نجاح “النّظام” في شراء سلم اجتماعي ساهمت في تسهيله بحبوحة مالية لم يكن يحلم بها أكبر المتفائلين. الكل كان يرى استشراء الفساد في كل القطاعات لكن لا أحد تجرأ وندّد وحين حدث ذلك – على ندرته – كانت، مرة أخرى، دولارات البترول بالمرصاد وكانت تكفي زيادة بسيطة في الأجرة أو امتياز تافه لإسكات الجموع وعودتها إلى البيت.

ثم حدثت الخيانة الكبرى حين تم تمرير تعديل الدستور وفتح العهدات. حينها فهم بوتفليقة بأن لا شيء سيوقفه وبأن في وسعه أن يُنهي ما كان قد بدأه وأن يغدو الرئيس الفعلي للجزائر وربها الوحيد. هكذا بدأت الربيبات تسقط الواحدة تلو الأخرى بشتى الطرق حتى لم يعد حول الرئيس إلا عائلته وذوي القربى والمصالح. قد يكون لخبرة بوتفليقة الطويلة جدا، دهائه وخبثه الكبيرين، دور حاسم في أن يفعل ما فعله بالجزائر ويفوز في كل معاركه خاصة ضد جنرالات الجيش (اقرؤوا مثلا ما نشرته عنه مؤخرا مجلة L’Obs.. والقادم أعظم).

المقاطعة والقطيعة

هل يمكن اعتبار ما حدث يوم 22 فيفري 2019 مؤشرا إيجابيا؟ نعم.. مع بعض التحفظات! نعم لأن تلك الجحافل التي خرجت ولبت بشكل عفوي نداءً مجهولا كسرت بفعلتها جدارًا طال انتصابه خاصة في العاصمة، وعبّرت بأن لصبرها حدود، لا يمكن تجاوزها ولن تقبل بأن تصبح أضحوكة في العالم يتندر بها شعوب المعمورة قاطبة. التحفظات؟ الإجابة يمكن توخيها في ذلك العدد القليل نسبيا ممن لبى نداء “حركة مواطنة” يومين بعد 22 فيفري. وهو ما يبين بأن الذين خرجوا يوم الجمعة لم يفعلوا ذلك إلا لأن شرط تجمعهم كان متوفرا من الأساس (صلاة الجمعة) واليوم يوم عطلة لا مشكلة في تمضيته في التظاهر قبل العودة إلى هموم الحياة والاكتفاء بمتابعة ما يحدث وراء الشاشات وفي مواقع التّواصل الاجتماعي. طبعا، لن يُنقص هذا من قيمة حراك أيام الجمعة، لكن حدوثها في أيام الأسبوع سيجعل “النظام” يفهم بأن الأمر أكثر من غضب بل هو “وعي” وطني وبأن رحيله قد اقترب.

أهل الاختصاص في العلوم السياسية يعلمون جيدا بأن أي حراك شعبي غير مؤطر سيفضي لا محالة إلى الفوضى وذلك مهما بلغت درجة سلمية هذا الحراك أثناء بدايته (السترات الصفراء في فرنسا نموذجا). نفس الحال ينطبق على مظاهرات الطلبة والمحامين والصحافيين. لهذا لا يمكن الحديث عن حراك شعبي واع ومسؤول إلا في حالة حدوثه في يوم من أيام الأسبوع ويضم في صفوفه كل أطياف المجتمع ويبقى الشرط الأساسي هو أن يكون حراكا مؤطرا.. لكن من يستطيع أن يتصدى لهذه المهمة؟

الجواب سهل نظريا: المعارضة هي المخوّل بفعل ذلك. لكن، للأسف، حال المعارضة الجزائرية تلخصه الأسطورة القائلة بأن مسيحيا مات وحين جاءت الملائكة لتأخذ روحه إلى الرّب رفض مرافقتهم بحجة أنه لا يريد الذهاب عند رب قضى طول حياته يدعوه من أجل أن يفوز في اليانصيب لكنه لم يستجب لدعائه. حين أخبرت الملائكة الرب ردّ عليهم: عودوا إليه وقولوا له: “لكنك لم تشتر يوما تذكرة يانصيب لتلعب بها واستجيب لدعائك فتربح!”. وجه الشبه بين هذا المسيحي والمعارضة الجزائرية هو أن هذه الأخيرة تتشبث بموقف “المقاطعة” وترفض الانخراط الفعلي وشراء تذكرة اللعبة السياسية، مكتفية بالفتات أو التباكي بعد فوات الأوان. هذا الغياب وفقدان الشعب الثقة في أشباه المعارضين (لكن لا يجب نفي معارضين حقيقيين لم يمنع من ظهورهم إلا الدكتاتورية وربما أخطاء عملية في التعبير عن معارضتهم) جعل الشعب وحيدا في مواجهة نظام هو يعلم يقينا بأن الشارع وحده لن يثني من عزيمته في المضي قدما وتحقيق مخططاته حتى ولو كلفه الأمر اللجوء إلى الكلاش (ومهما كانت حقيقة التسريب المتداول والمنسوب إلى سلال وحداد فيجب علينا أخذه على محمل الجد حتى ولو كان الرجل قد قالها “قصرة برك”.. فقتلى أكتوبر 88 مثال غير بعيد عنا).

ربما كان بمقدور هذا الشارع أن يتشبث بقشة النخبة والمثقفين ويستعين بهم في توجيه بوصلته واتخاذهم لسان حال مطالبهم، لكن هذا الخيار يصعب أيضا التعويل عليه بسبب سكوت الكثير من المثقفين واكتفاء البقية ببعض البيانات والمساهمات في الجرائد. ربما الاستثناء الوحيد الذي يمكن الإشارة إليه في شلة المثقفين والكتّاب صنعه احميدة عياشي. خبرة الرجل الطويلة ونضاله لعقود دفعاه إلى أن يكون ناشطا في ثورته على ما يحدث في بلده. هكذا اختار أن يدعم مترشحا جاء من أجل “القطيعة” وبناء جمهورية ثانية هي الوحيدة القادرة على إخراج الجزائر مما هي عليه. تفاجأ الكثيرون – وكنت منهم – كيف للمثقف أن يلجأ إلى العسكري؟ لكن شيئا من التفكير يجعلك تدرك أن الأمر أكثر من واجب في بلد تغلغل الجيش في أعمق أعماقه. فلا يمكن الخروج من هذه الوصاية العسكرية بين عشية وضحاها، ثم إن المسؤولين في الجيش ليسوا فاسدون كلهم والكثير، بل الأغلبية الساحقة منهم، أشخاص وطنيون يحبون الخير للبلد ولا يغمض لهم جفن خوفا من أن تنزلق الأمور. للأسف، لم يدم التعامل بين احميدة عياشي وغديري وانسحب المثقف لأسباب تقنية لكنه أصرّ في تصريحاته بأنه مازال وفيا لخيار مساندته للرجل وأن الاختلاف كان في الشكل وليس في المضمون. مهما يكن، سيسجل التاريخ أن احميدة عياشي قد قام بما عليه وبأنه قد أدى واجبه كعادته بعكس كاتب ومثقف آخر سكت دهرا ثم نطق كفرا. وسيذكر التاريخ بأن الفنانة فلة عبابسة كانت أوفى وأشرف من ذلك المثقّف “الذي سكت دهرا ثم نطق كفرا” وبأنها كانت شجاعة في انتقاد النظام علانية بمجرد إعلان ترشيح بوتفليقة..

ثم ماذا؟

لا يمكن التّنبؤ بما سيحدث وكل السيناريوهات واردة. باختصار، الخبر اليقين سيظهر حين يتفضل أحد ويسرب لنا النتائج التي تم التوصل لها بعد لقاء أويحي بوفد الكونغرس الأمريكي، لأنه في النهاية، القرار في أيدي أصحاب سراويل الجينز هؤلاء وليس في أيدي أصحاب الكومبات أو الميكي ماوس سلال وحداد.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …

احميدة عياشي يكتب: المزيّف وسلطة الحقيقي

ما نعيشه اليوم حدثان في حدث واحد. حدث من خارج النّظام ضدّ النّظام تشكّل في 22 …