السبت، 20 يوليو 2019

الاحتجاج فنّ

سعيد خطيبي

المظاهرات المناهضة للعهدة الخامسة لم تكن للغضب فقط، بل كانت أيضاً لحظة نتوقّف عندها لمشاهدة الوجه الآخر للجزائر، نكتشف وجوها لطالما أخفتها الكاميرات، وأصرّت على إزاحتها من الإطار، فقد خرج شبّاب هم أقرب للحياة والفرح منهم إلى الإحباط، كما يعتقد كثيرون.

جمال المحتجين في عقولهم، التي نضجت قبل الأوان، وفي أشكالهم ومظاهرهم وصيحاتهم وأهازيجهم وأغانيهم، فقد قدّموا درساً جزائرياً في الاحتجاج، أراحونا من الكليشيهات، التي زال عمرها، ووضعونا في مقابلة مع تعريفات للجديدة للاحتجاج باعتباره فنّاً، واستعراض للجمال في مواجهة القبح، لم تلهيهم شعارات “الحشمة” المزيفة، وخرجوا في كامل حسنهم ضدّ الحكم المطلق وضدّ العفن.

لقد كان الجمال بطلاً في شوارع الجزائر وساحاتها العامّة، وانعتق الشّباب من أيديولوجية التخويف والترغيب في الجنّة والنّار، وجعلوا من احتجاجهم بقعة يسكنون إليها، مطمئنين إلى أن الحريّة هي طريق شاقّ لكنه أرحم من الطّرق الأخرى.

لم نر تفرقة ولا ميسوجينية ولا إزدراء، بل كانوا رجالاً ونساءً معاً في الشّارع، التحم الجنسان، وسقط الفصل بينهما، وفي تلك الصّور التي يتقاطع فيها رجل وامرأة، يرفعان معاً أيديهم، يخرج الوحش الذي يخيف المتزمتين، الذين حاولوا بالمقدّس والمدّنس إقامة جدار بينهما، في السّابق، وهم لا يعلمون أن الجزائرية لا تتنفس من غير حبّها لجزائري، والعكس صحيح.

لقد كان جمال المظاهرات في النّساء اللواتي حرّرن عقولهن من سطوة “الأب”، وخرجن في كامل حسنهن، ضدّ من يريد أن يحوّل المرأة في بلدنا إلى مرادف للخنوع.

إن الجمال الذي سطع في السّاحات والشّوارع، في الأيام الماضية، والذي يستعد للخروج، في الأيام القادمة، هو وعد بنجاح الإرادة الشّعبية، والتي لا تتوقّف أصواتها على مطالب سياسية، فمهما كانت النتائج، بعد 18 أفريل المقبل، فقد كسبنا معركة، معركة التّحرّر، ومنح الجزائر وجهاً جميلاً، والمساواة بين ذكر وأنثى في اللحظات الحاسمة، لعل تلك المساواة تتّسع لاحقاً نحو نصوص ومواد تشريعية، تحقّق لهم رغباتهم في عدالة اجتماعية، تقوم على احترام الفرد لا على اجترار عادات قديمة.

ما نشاهده من صور بهية في الاحتجاجات هو الوجه الحقيقي للجزائر، تلك المرأة التي تنزل للاحتجاج هي الحبل الذي يقودنا إلى مستقبلنا، وكلّما زاد الاحتجاج زاد الجمال، واستعادت الجزائر صورها الأحلى.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …