الخميس، 17 أكتوبر 2019

عرس الذيب

دونها: ناصر موزاوي*. ترجمة: جلال الدّين سماعن

لا أحد في الجبال ولا في السّهوب يجهل بأن ابن آوى(1) حيوان ماكر ومخادع. جلّ الحيوانات – بما في ذلك الأسد الهصور – حدث لها وأن وقعت ضحية لخبثه ولتلاعبه. وبالرغم من كلّ تلك الخصائص، مازال ابن آوى يحظى بمكانته في محفل الحيوانات وكثيرًا ما يُنصت إلى أقواله باهتمام.

في يوم من أيام الصيف قام بدعوة كل من الحصان، الجمل، الأرنب البريّ، القنفذ والديك ليقاسمهم آخر فكرة راودت مخيلته الواسعة. قال مخاطبا إيّاهم:

  • منذ الأزل ونحن نعيش متفرقين عن بعضنا بعضا وكل منّا يعمل بشقاء لوحده في حين أنه في استطاعتنا أن نتوّحد ونواجه أرزاء الوجود. لماذا على الحصان أن يتزوّج فرسا؟ ولماذا يشعر العجل بأنه مجبر على التزوّج من البقرة؟ الأرنب بالعِكْرِشَة [أنثى الأرنب]؟ والديك بالدجاجة؟ ألا ترون معي بأنه من السخف أن نضع لحياتنا أطرا لا يجب تجاوزها؟ لماذا لا يحق للعجل مثلا بأن يتخذ له عكرشة؟ أليس الأمر رائعا؟ ثم إن حظوظ أن يتمخض عنهما كائنات تتمتع بالصحة والكمال وافرة لأنهما سيستفيدان لزاما من مزايا نوعين مختلفين. ستكون كائنات قوية كالعجول وسريعة كالأرانب. صدقّوني أيها الإخوة، الكمال الذي لطالما افتقدناه لن يتحقق إلا إذا زاوجنا بين دمائنا المختلفة!

أثارت كلمات ابن آوى صخبا وجدلا لم يوقفهما إلا تدخل القنفذ، هذا الحيوان الصغير المعروف بذكائه. ثم إن أهل الجبال يروّون بأن هذا الأخير هو الحيوان الوحيد الذي لم ينجح ابن آوى أبدا في أن يخدعه. قال القنفذ:

  • لا يمكننا الحكم على فعالية وسداد فكرة كهذه إلا إذا تفضل السيد ابن آوى وحاول تجريبها بنفسه وله كامل حرية اختيار الزوجة التي يريدها.

حركت الحيوانات رؤوسها وراحت تنادي بموافقتها على طرح القنفذ. قبِل الثعلب المقترح وطلب تزويجه بناقة!

في طريقهما إلى الكهف لإتمام مراسم الزواج، رافقت الحيوانات ابن آوى والناقة بالتصفيق وإطلاق صرخات الفرحة تعبيرا عن سعادتها بهذا الزواج الفريد من نوعه في تاريخ الطبيعة. غير أن لحظات الفرحة هذه لم تدم طويلا: فجأة، تلبّدت السماء بغيوم كثيفة سرعان ما مزّقها شعاع البرق الفضي فانهمرت أمطار جارفة لبرهة أتبعتها شمس لم تمكث إلا قليلا. أحدثت هذه الظواهر في أنفس الحيوانات الحاضرة فزعا كبيرا باستثناء القنفذ الذي خمّن في أن ردة الفعل العنيفة هذه وغير العادية لعناصر الطبيعة ليست إلا تعبيرا عن غضب الرب وعدم موافقته عن هذا الإخلال بقوانين الطبيعة الثابتة.

قدّم القنفذ شرحا وافيا للحيوانات عمّا حدث لتوه قبل أن يختم كلامه قائلا: “لا شك في أن غضب الرب سيكون أفظع لو تمت هذه الزيجة. علينا أن نتدخل!”

هرعت آنذاك الحيوانات إلى مأوى العروسين الغريبين ومن حسن الحظ لأنهما لم يباشرا بعد في فعل ما يفعله عادة العرسان ليلة الدخلة. وبعد جدل طويل ألغيّ العرس وغابت فرصة مقدم كائنات ذكية كابن آوى ورصيفة كالجمال.

عندنا وإلى اليوم، حين تمطر وتنجح الشمس في نفس الوقت في شق طريق لأشعتها بين الغيوم [المترجم: فيظهر قوس قزح(2) (3)] يصيح الكثيرون تذكيرا ربما بهذه القصة: “انظر، إنه عرس ابن آوى”.

 

هوامش

* .Nacer Mouzaoui, Contes africains, Alger, ENAL, 1992, pp. 30-32

(1) في تدوينه لهذه القصة، استعمل ناصر موزاوي كلمة (Chacal) وهو ابن آوى. لكن في تراثنا سواء الأمازيغي أو المعرب (بحسب علمي على الأقل)، الأمر يتعلق بالذئب (Loup).

(2) منذ سنوات، كنت في قرية في ضواحي خراطة بولاية بجاية أزوّد محلا متواضعا بمادة الخبز. فصادف أن حدثت هذه الظاهرة الطبيعية فقلت لعبد الحي، صاحب الدكان: “طيل، تامغرا أوّشن” (أنظر، إنه عرس الذئب!). انفجر ضاحكا وقال: نحن هنا نقول “طيل، أوشن إطّهر إيثارواس” (أنظر، الذئب ختن أولاده). اكتشفت لاحقا بأن العبارة الأخيرة يقولها أيضا بعض من أهل ولاية جيجل وربما مناطق أخرى من الجزائر. طائفة أخرى تستعمل عبارة “ثاباغوسث نلجنة” (حزام الجنة) …  افيدونا!

(3) وأنا أبحث عن معنى كلمة “قزح” وأصل التسمية، عثرت في موقع من المواقع بأنه محرم استعمالها ذلك أن قزح هو اسم من أسماء… الشّيطان!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …