السبت، 20 يوليو 2019

عوالم هاروكي موراكامي الخفيّة

ترجمة: حمزة بن قسمية

هاروكي موراكامي
هاروكي موراكامي

الكاتبة الأميركية ديبورا ترايسمان التقت هاروكي موراكامي، دار بينهما حوار، صدر في العدد الأخير من مجلة “نيويوركر”، ننشر هنا مقتطفات منه.

هاروكي موراكامي: آخر مرة أجرينا فيها مقابلة صحافية كانت قبل عشر سنوات، والكثير من الأمور المهمّة كانت قد حدثت بالفعل في هذه السنوات العشر، على سبيل المثال كبرت بعشر سنوات، وهذا أمر في غاية الأهمية على الأقل بالنسبة لي. أكبر يوما بعد يوم، وكلما أكبر أجدني أفكر في نفسي بطريقة مختلفة عن الطريقة التي كانت أيام شبابي. هذه الأيام أنا أحاول أن أكون جنتلمان. كما تعرفين، أنه ليس من السهل أن تكون جنتلمان وروائيًا في ذات الوقت. إنها أشبه بمحاولة السياسي أن يكون أوباما وترامب في نفس الوقت. لكني أملك تعريفًا مناسبًا للروائي الجنتلمان:

أولاً: لا يجب عليه أن يتكلّم عن الضرائب التي يدفعها.

ثانيا: لا يجب عليه أن يكتب عن حبيباته السّابقات، أو زوجاته السّابقات.

ثالثا: لا يجب عليه أن يفكّر في جائزة نوبل للآداب. إذن ديبورا، من فضلك لا تسأليني عن هذه الأمور الثّلاثة كي لا أتورّط.

ديبورا ترايسمان: لقد استنزفت متجري للأسئلة بالفعل! أردت أن أبدأ مع أحدث كتبك، روايتك الجديدة: “مقتل قائد الفرسان”، حيث تدور أحداث هذه الرواية حول رجل تتركه زوجته، فينتهي به المطاف بالعيش في منزل فنان قديم، كان رساما. بمجرد وصوله إلى ذلك المنزل، تحصل العديد من الأمور الغريبة، والبعض منها تبدو وكأنها قد انبثقت من بهو خفي، الأمر أشبه ببئر فارغة، أنا أتساءل كيف جرفك التفكير إلى بداية هذه الرواية؟

“مقتل قائد الفرسان” كتاب بحجم كبير، تعرفين، استغرقت سنة ونصف السّنة أو أكثر لكتابته، لكنه في الحقيقة قد بدأ بمجرد فقرة أو فقرتين فقط، لقد قمت بكتابة هذه الفقرات وقمت بوضعها في درج مكتبي، ونسيت أمرها بالكامل، لاحقا، ربما بعد ثلاثة أشهر أو ستة ماضية، خطرت على بالي فكرة مكنتني من جعل كل هذه الفقرة أو الفقرتين رواية. شرعت في الكتابة ولم تكن لي خطة، ولا جدول توقيت، لا أملك تفاصيل القصة، فقط بدأت من تلك الفقرة أو الفقرتين وواصلت الكتابة، والقصة قادتني إلى النهاية. إذا كنت تملك خطة للكتابة، إذا كنت تعرف النهاية عندما تبدأ، لن تكون هناك متعة في كتابة الرواية. أنت تعلمين، الرسام يمكن أن يرسم مخططا قبل أن يبدأ الرسم، لكني لا أفعل، هناك مساحة بيضاء، وأنا أملك هذه الفرشاة وكل ما أقوم به هو رسم الصورة فقط.

هناك شخصية، أو فكرة، في الرواية والتي تأخذ شكل قائد الفرسان من أوبرا موزارت “دون غيواني”. لماذا هذه الفكرة، هذه الشخصية في منتصف هذا الكتاب؟

عموما أبدأ كتبي بعنوان، في هذه الحالة، لدي هذا العنوان: مقتل قائد الفرسان، وأمتلك أولى فقرات هذا الكتاب، وكنت أتساءل ما نوع القصة التي يمكنني أن أكتبها بكل هذا، لا يوجد شيء شبيه بقائد الفرسان في اليابان، لكني شعرت بغرابة هذا العنوان، وشعرت برضا حيال هذه الغرابة كثيرا.

هل أوبرا “دون غيوفاني” مهمة بالنسبة لك؟

الشخصية جد مهمة بالنسبة لي، لا أستخدم شخصيات عامة، وفي مسيرتي المهنية الخاصة، قمت بالاستعانة بشخصية حقيقة لمرّة واحدة فقط، كان رجلا سيئا، شخصا لم أحبه كثيرا، وأردت أن أكتب عنه، قمت بذلك لمرّة واحدة فقط. كل الشخصيات في كتبي قمت بخلقها من البداية، من نقطة الصفر. مرة اختلقت شخصية، هو أو هي تنقل تلقائيا، وكل ما كان علي فعله هو مشاهدته أو مشاهدتها تتحرك بالجوار، تتحدث وتقوم بأشياء. أنا كاتب، وأنا أكتب، ولكني في ذات الوقت أشعر وكأني كنت في خضم قراءة بعض الكتب المثيرة والمهمة. لذلك فأنا أستمتع بالكتابة.

الشخصية الأساسية في الرواية يصغي إلى الأوبرا زيادة إلى قطع موسيقية أخرى قمت بذكرها في الكتاب، أحيانا شخصياتك تقوم بالاستماع إلى فرق معينة أو إلى نوع موسيقي محدد، هل يساعدك ذلك على معرفتهم؟

أستمع إلى الموسيقى عندما أكتب، فمن الطبيعي جدا أن تكون الموسيقى حاضرة في كتاباتي، لا أفكر كثيرا في نوع كينونة هذه الموسيقى، لكن الموسيقى تعتبر كنوع من الغذاء بالنسبة لي، تمنحني القوة لأكتب، لذلك أكتب أحيانا عن الموسيقى، وفي الغالب أكتب عن الموسيقى التي أحبها، أنها مفيدة لصحتي.

هل تحفظ الموسيقى لياقتك؟  

نعم، كثيرا جدا، الموسيقى والقطط، ساعداني كثيرا.

كم عدد القطط التي تملك؟

ولا قطا واحدا. أركض يوميا قرب منزلي، وبطريقة منتظمة، أشاهد ثلاثة أو أربعة قطط بالجوار، هم بالنسبة لي أصدقاء، أتوقف لألقي التحية، وهم يقتربون نحوي، نعرف بعضنا جيدا.

عندما نشرت مجلة نيويوركور مقتطفا من رواية مقتل قائد الفرسان، سألتك عن العناصر الخيالية في عملك، قلت وقتها: “عندما أكتب الروايات، الحقيقة والخيال يمتزجان مع بعضهما البعض بطريقة عفوية، ليس الأمر وكأني أتبع خطّة ما عندما أكتب، كلما حاولت أن أكتب بواقعية وبطريقة عملية بشكل أكبر، أجدني أكتب بطريقة غير واقعية ويتجلى العالم غير الحقيقي بشكل أكبر. بالنسبة لي الرواية عبارة عن حفلة، كل من يود الانضمام بإمكانه فعل ذلك، وهؤلاء الذين يرغبون بالمغادرة يمكنهم فعل ذلك في الوقت الذي يرغبون فيه. إذن، كيف بإمكانك دعوة الناس والأشياء إلى هذه الحفلة؟ أو كيف يمكنك أن تبلغ مرحلة تجعلك تكتب بطريقة تجعل الناس يحضرون دون أن تكون في حاجة إلى دعوتهم؟

لا طالما أخبرني القراء أن هنالك عالماً غير واقعي في عملي، أن يذهب البطل إلى ذلك العالم ثم يعود إلى العالم الحقيقي. لكنني لا أستطيع دائمًا رؤية الحدّ الفاصل بين العالم غير الواقعي والعالم الواقعي. لذلك، في كثير من الحالات يمتزجان. في اليابان، أعتقد أن العالم الآخر قريب جدًا من حياتنا الحقيقية، وإذا قررنا الذهاب إلى الجانب الآخر، فهذا ليس بالأمر الصّعب جدًا. لدي انطباع أنه في العالم الغربي ليس من الهين الذهاب إلى الجانب الآخر. عليك أن تمر ببعض التجارب للوصول إلى العالم الآخر. لكن في اليابان، إذا كنت تريد الذهاب إلى هناك، فأنت تذهب إلى هناك. لذا، في قصصي، إذا ذهبت إلى أسفل النّبع، فهناك عالم آخر. ولا يمكنك بالضرورة معرفة الفرق بين هذا الجانب والجانب الآخر.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في …