السبت، 16 فبراير 2019

أكتوبر 88 وصمت المثقّفين

جلال الدّين سماعن

في الفصل الأول من كتاب “الجزائر، الكتّاب في العشرية السّوداء”، والذي يحمل عنوانا استفهاميا: هل الكاتب هو نموذج المثقف؟ ينطلق تريستان لوبيرلييه من تعريف لمفهوم المثقف وذلك منذ ظهوره بعد حادثة “دريفيس” في فرنسا وإلى غاية تطويره من طرف الفيلسوف جون بول سارتر. يمكن التّمييز بين “مثقف نقدي” وآخر “رائي” (Prophétique). وكلاهما نقيض مواجه “لمستشار الأمير”. وفي وسط كلّ هؤلاء منطقة يقف فيها ذلك المثقف “المساند الناقد” للسلطة. بعدها وكعادته تطرق الباحث إلى الوضع العام والسياقات التاريخية، السياسية، الاجتماعية والثقافية للجزائر منذ الاستقلال وإلى غاية أكتوبر 1988 وقد لخصّها في بروز خمسة تيارات وقوى سياسية كانت هي الغالبة على المشهد العام: الوطنيون، الماركسيون، الأصوليون، البربريون والليبراليون.

وهو مسلح بهذه المعلومات الأولية والمهمة، يمكن للقارئ أن يستوعب ما حدث بالضبط في أكتوبر 88 وخاصة ذلك “الصمت المدوّي للمثقفين” حيال هذه الواقعة المفصلية في تاريخ الجزائر. بالفعل، نكتشف بأن ردود أفعال الكتّاب كانت جد محتشمة أو شبه منعدمة وربما أكبر خيبة أمل كان ورائها كاتب ياسين الذي فضّل الركون إلى الصّمت ولم يتحدّث إلا بعد أزيد من عشرين يوما من خلال مقال مقتضب في جريدة لوموند الفرنسية وتحت عنوان صادم: “الأفلان المغدور”.

بالمقابل، كان أنور بن مالك من الأوائل الذين تحدثوا صراحة عن موقفهم إزاء الأحداث الجارية لكن وبسبب شهرته النسبية والمنحصرة على المستوى الداخلي فقط فإنه لم ينل الصيت المنتظر ولم يكن بمقدوره أن يلعب دور المثقف النقدي أو الرّائي. ثم إن الفرق بينه وبين كاتب ياسين هو أن هذا الأخير قد عايش حرب التحرير الوطنية فتولّدت عنده علاقة جد عاطفية مع حزب الأفلان على عكس بن مالك الذي ولد سنة 1956، لم يعايش بذلك حرب التحرير فتكونت لديه نظرة أكثر منها موضوعية ونقدية تجاه الحزب الحاكم آنذاك.

ثم إن لوبيرلييه يصّنف كاتب ياسين على أنه مثقف “داعم ناقد” للسلطة؛ تصنيف قد لا يستسيغه البعض من الذين تعوّدوا على اعتباره خصما لدودا لهذه السلطة، إلا أن الباحث يبرر طرحه مستدلا بحياة الكاتب نفسه والذي اشتغل واستفاد بطريقة ولو غير مباشرة من دعم الدولة خاصة لفرقته المسرحية ولسفرياته المتعددة… وما العنوان الذي اختاره ياسين للحديث عن أكتوبر 88 إلا دليل آخر على ذلك.

الكتّاب والصّحافيون وحرية التعبير

كانت الرقابة مشدّدة أكثر على الصحافيين من تلك التي عرفها الكتّاب، إلا أن ذلك لم يمنعهم من أن يكونوا أكثر استنفارا وتحركا. تجلى ذلك الحراك الصحافي من خلال بيانات وعرائض يعبرون فيها وينددون بالتضييقيات الممارسة عليهم والتي تمنعهم من تقديم المعلومات بشكل موضوعي خاصة المتعلقة بأحداث أكتوبر. “هذا الالتزام النضالي والذي تحالف مع الليبرالية السياسية لحكومة حمروش سنوات بعدها، سمح للصحافة الجزائرية بأن تعرف ما أصطلح على تسميته بالعصر الذهبي لها والذي ميّزها عن غيرها من البلدان المجاورة”. وفي الوقت الذي عوّض الصحافيون الكتّاب في نضالهم السياسي، راح كتاب على غرار الطاهر وطار يتملصون في إجاباتهم حين يُطلب منهم موقفهم الشخصي إزاء “أكتوبر الأحمر”. يقول وطار مجيبا بعدما ذكّر الصحافي بمشاركته في حركة RAIS سنة 1982: “في رأيي الشخصي، لطالما كان المثقفون الجزائريون حاضرون وهذا منذ عهد الأمير (عبد القادر). لقد غادروا صفوف المدارس للالتحاق بالجبل…”

العصر الذّهبي للمثقفين

الانفتاح والحريات المكتسبة غداة أكتوبر 88 في الساحتين السياسية والثقافية كانت في صالح الكثير من المثقفين الذين أعلنوا عن استقلاليتهم تجاه الوصاية السياسية. عودة “اليسار” إلى الحكم سمح ببداية عهد ذهبي للمثقفين، والمثقف هنا يحمل معنى مثقف اليسار. ساهموا بذلك في وضع سياسيات ثقافية جديدة تركّز على استقلاليتهم وعلى استبعاد الرّقابة السياسية التي كانت مسلطة عليهم. إلا أنه وجب الإشارة إلى أن هذه العودة للمثقف إلى السياسة كان ورائها التهديد الإسلاموي أكثر من أي شيء آخر. بالإضافة إلى استقلال اتحاد الكتاب الجزائريين عن حزب الأفلان وتطوّر القطاع الخاص للإعلام فقد شهدت تلك الفترة تعيين الكثير من كبار الكتاب في مهام سياسية وعلى رأس مؤسسات الدولة (مثلا: ترأس عبد الحميد بن هدوقة المجلس الوطني للثقافة).

وكما أسلفنا الذكر، لعبت السيطرة المتواصلة للإسلامويين على المجتمع دورا مهما في تشكل وعي لدى الكثير من الكتّاب ودفعت بهم إلى الاهتمام أكثر بالشأن السياسي للبلد. هكذا سينشر الكثير منهم على صفحات جريدة ElWatan مثلا مقالات منددة بحرب الخليج (وطار، بن هدوقة، ميموني، شرفي، ولاحقا نادية قندوز). ونفس الشيء فعله أنور بن مالك على صفحات Algérie-Actualité. أما طاهر جعوط الذي اشتغل كثيرا في صفحات الثقافة لهذه الجريدة فقد تحول إلى كاتب افتتاحيات سياسية عبّر من خلالها عن نضاله ومواقفه.

رشيد بوجدرة

ثم حلت الحرب الأهلية والعشرية السوداء

يمكن الحديث عن موقفين اتخذهما الكتّاب في مواجهة الحرب الأهلية التي شهدتها الجزائر سنوات التسعينات: كتّاب مناهضون للإسلامويين وآخرون يتضامنون معهم. كما أن طائفة المناهضين يمكن تقسيمها إلى فريقين: فريق الاستئصاليين أو الراديكاليين وفريق المُحاورين. 90 في المائة من الكتّاب كانوا أصحاب توجه مناهض للإسلامويين (ثلاثة أرباعهم راديكاليون). هؤلاء الكتّاب الراديكاليون والذين ساندوا وقف المسار الانتخابي يعتبرون أنفسهم “ديموقراطيين” وينادون بلعبة ديموقراطية يجب ألاّ يشارك فيها حزب (الفيس) نيته هدم هذه الديموقراطية. “الأمر أشبه بديموقراطية هتلر، جاء إلى الحكم بشكل ديموقراطي وسعى إلى محو أوربا من الخريطة”، يقول كاتب شيوعي. أما طائفة المناهضين للإسلاموية الداعين إلى الحوار فقد نددوا بوقف المسار الانتخابي ودعموا جلسات الحوار وبخاصة أرضية روما (سانت إيجيديو).

وإذا كان كتّاب مثل بوجدرة قد هاجموا الفيس والإسلاموية في أعمالهم فإن كتّابا يساريين راديكاليين آخرين ألقوا أيضا باللائمة على النظام وعلى الجيش الوطني (واسيني الأعرج). قام لوبيرلييه بتحليل مسار هاذين الكاتبين ليرسم لنا من خلالهما معالم الصراع داخل الحقل الأدبي الجزائري. صراع أجيال أولا وهو ما نراه في واسيني الأعرج (مواليد 54) ويوسف زيرم (المولود سنة 1964): تمتع الأعرج بالكثير من المزايا مُنحت له باعتباره ابن شهيد فنال منحة للدراسة في سوريا وحين عاد إلى الجزائر تم توظيفه مباشرة في الجامعة. كما أن مشواره الدراسي كان ثنائي اللغة فتمتع بشهرة داخلية وأخرى خارجية. أما زيرم فيشكل نقيضه إذ لم ينشر أولى أعماله إلا على حسابه الخاص سنوات الأزمة. ولأنه كان مجرد صحافي حرّ ذو توجه مناهض للإسلاموية ومشجع للحوار معهم، كما أنه شديد الانتقاد للنظام الحاكم فلم تكن له شهرة كبيرة داخل الوطن.

“غالبية الكتّاب الشباب المفرنسين كانوا موافقين على فكرة وقف المسار الانتخابي لكنهم بدوا لاحقا من الأوائل الذين ابتعدوا عن المقاربة المناهضة للإسلاموية بشكل راديكالي وقاموا بتحميل الدولة والفيس نفس القدر من المسؤولية.” (مصطفى بن فوضيل أنموذجا). كما أن هذا الصراع بين الأجيال سببه تلك الفروقات في مدى الحضور في المشهد السياسي من قبل الكتّاب أنفسهم. الكتاب الأكبر سنا كانوا أكثر حضورا وبالتالي تعرضوا لتهديدات أكبر مما ساهم في ازدياد راديكاليتهم تجاه الإسلاموية.

تطرق بعدها لوبيرلييه إلى الفرق بين المثقف العام والمثقف المختص أو الاختصاصي. فوضع في المواجهة كاتبين راديكاليين مثل رشيد بوجدرة ورشيد ميموني ضد داعيين للحوار مثل محمد حربي وبنجامين ستورا. كما نكتشف عبد الرحمان جلفاوي كنموذج لمثقف عاش الأزمة من الداخل في مواجهة ستورا وأمثاله ممن عاشها كمراقب من الخارج… وختم الباحث هذا الفصل بعنصر تطرق فيه إلى رشيد بوجدرة أو “فولتير الجزائر” ومن خلاله سيكتشف القارئ الكثير من الجوانب الخفية عن الرجل وبأن مواقفه المتذبذبة حد التناقض ليست وليدة اليوم بل لطالما كان ومنذ السبعينات “مثقفا نقديا” و”مستشارا للأمير” في نفس الوقت!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سعداء وسط النسيان، وقد رحلوا

د. عبد الوهاب بوشليحة وأنا أقرأ ديوان “صديقتي القيثارة” للمرحومة صافية كتو، وقد ترجمه الأستاذ …

تريستان لوبيرلييه

ما المقصود بعبارة كاتب جزائري؟

جلال الدّين سماعن صدر، حديثا، كتاب “الجزائر، الكُّتاب إبان العشرية السوداء”، للباحث الفرنسي تريستان لوبيرلييه. …