السبت، 16 فبراير 2019

محمد بوشحيط: حول الأزمة

محمد بوشحيط(1943-1996)
محمد بوشحيط(1943-1996)

(كُتب هذا المقال قبل 23 سنة، لكنه لا يزال يصف واقعنا)

يُصاب المُلاحظ السّياسي، خاصّة الذي يعيش بعيداً عن الجزائر، بنوع من الحيرة والذّهول، أمام تطوّر الأحداث، التي تعصف بهذا البلد، لأنه لا يجد لها تفسيراً منطقياً، خاصة أن هذا البلد ليس فيه تنوّع طائفي، أو عرقي، يبرّر الصّراع الدّائر فيه حالياً.

ولهذا، نأمل من خلال هذا البحث، إزالة حيرته بتوضيح أسباب هذه الأزمة، وعواملها الخارجية والدّاخلية، ملاحظين هنا، أنّه لن يتأتى لنا هذا إلا بقراءة مكوّنات الأزمة ضمن شروطها الموضوعية، التي تخضع للتّحليل السّياسي، قبل أي شيء آخر، لأن “الفكر السّياسي” له أهمية خاصّة في مجال المعرفة الإنسانية، بصفة خاصّة. هذه الأهمية الخاصّة للفكر السّياسي ترجع للوظائف المتعدّدة، التي يؤديها هذا الفكر، التي من أخصّها أنه يتناول الإطار العامّ – بصوره المختلفة غالباً – لحياة الإنسان والجماعة من ناحية، كما أنه يعكس تطوّرهما من ناحية ثانيّة؛ بالإضافة إلى أنّه كثيراً ما يقدّم حلولاً أو توقعاً وتصوّراً للمستقبل من ناحية ثالثة.

من المُسلّم به أن الأزمة الاقتصادية العالمية، التي تعصف بالعالم، منذ بداية السّبعينيات، كان السّبب في نشأتها النّظام الرّأسمالي، الذي لم يعد قادراً على إنتاج شيء جديد، نظراً لبنيته الهيكلية، التي ترتكز على الاستغلال والربح بأي طريقة كانت، حيث وصلت هذه الأزمة إلى ذروتها، بعدما انهار المعسكر الستاليني ذاتياً وإرادياً، من طرف قيادة هذا المعسكر، الذي لم يستطع أن يكون نموذجاً تحتذيه البشرية، في بحثها الطّويل عن تغيير ما هو واقع، إلى ما هو ممكن ومحتمل.

وانطلاقا من هذا، نعتقد أن هذا السّقوط الذّاتي نتيجة لأزمة بنيوية، داخل هيكلة النّظام الستاليني، وليس لأسباب خارجية، كما يحاول الإيحاء به بعض مشعوذي السّياسة. هذه الأزمة تبرز في الأحادية المطلقة التي رسخها، هذا النّظام، منذ إنشائه عام 1917، التي ترى في التّعددية السّياسة وحرية التّعبير عدوها السّياسي، ومن هنا وصل إلى طريق مسدود، رغم أنّ الإنسان العادي يتمتع داخل هذا النّظام بكل وسائل الحياة، كالدراسة المجانية، السّكن، والحماية الاجتماعية، من كلّ نوع، مقابل الإنسان، في النّظام الرّأسمالي، الذي لا يتمتع بهذه المزايا، داخل المجتمع، على الإطلاق، زيادة على انتشار الجريمة، وتعاطي المخدرات، بصورة مذهلة، لكن النّظام السّياسي في الغرب، ظلّ صامداً، ويزداد قوة على المدى المنظور، نظراً لتوفّر الديمقراطية، التي تتجسّد في الحريات السّياسية، وحرية التّعبير، والصّحافة، وحقوق الإنسان، مما مكنّه من الصّمود أمام العواصف، كما أن النّاس باختصار شديد، لا يقادون إلى الجنة بسلاسل.

ومن هنا نلاحظ: بأنه رغم الضّجة الإعلامية التي تشيد بانتصار المعسكر الرأسمالي، والتي تصاحبها استعراضات الصّواريخ العابر للقارّات، من طرف جيوش هذا المعسكر، والتي يبدو الغرض منها واضحا، وهو خلق اليأس في نفوس شعوب العالم الثّالث، والطبقة العاملة داخل هذا المعسكر، بأنها لا انفراج لها، إلا في الركوع إلى أمريكا، بعد سقوط المعسكر الستاليني، غير أن المعسكر الرّأسمالي ليس على ما يرام، فالثلاثي الجريمة/ المخدرات/ البطالة هو السّائدة فيه، وما جعله يتماسك لحدّ الآن هو النّظام الديموقراطي التعددي، الذي خلق ثقافة تحترم الآخر، وتتبادل معه السّلطة كسبيل وحيد للمحافظة على ذاته، بعد أن تمكن خلال قرون من تراكم ثروات طائلة، التي جلبها، من الأسواق التي تسيطر عليها، بقوة الخراب خلال الغزوات الاستعمارية الطّويلة، لكن عودة التّاريخ إلى الوراء، أمر غير ممكن إطلاقاً، حتى لو تشابهت بعض وقائعه، لأن “التّاريخ يُصنع كمأساة، لكن عند إعادته يُعاد كمهزلة”.

انطلاقاً من هذا المنظور: نؤكد أن المتمعن في خريطة العالم حالياً، يتذكّر انتصار الدّول الكبرى، عشية انتهاء الحرب الكونية الأولى، وكيف تصاعدت صراعات الدّول الكبرى آنئذ على تقسيم الأسواق، فيما بينها، دون أي اعتبار لشعوب العالم المضطهدة، لكن تطور الوعي في العالم الثالث، وإحراز انتصارات معتبرة لحركة تحرير هذا العالم، بعد الحرب الكونية الثّانية، والتقدّم العلمي والتكنولوجي الذي أحرزته البشرية، يجعل من الصّعب سيطرة النّظام ذو البعد الواحد، الذي تطمح أمريكا إلى فرضه بالقوة، على دول العالم قاطبة، باسم شعارات وهمية، ولذلك نعتقد أنه نظام روماني جديد، سينشر الفوضى والاضطرابات في العشرية القادمة، قبل أن تهتدي البشرية إلى إيجاد نظام دولي جديد، حقيقي يقوم على السّلام، وعلى العلاقات المتوازنة، بين شعوب الكرة الأرضية دون تمييز.

إن غرضنا الأساسي من هذه المقدمة، حول الوضع العالمي، التأكيد، على حقيقة أساسية، أن ما يحدث في العالم، ينعكس سلباً أو إيجاباً، على بلادنا، لأننا لا نعيش في جزيرة معزولة، ملاحظين في الوقت نفسه، أن الأزمة الجزائرية الحالية، ليست انعكاسا لسقوط المعسكر الستاليني، كما يدعي البعض. لأن النّظام الجزائري كان بعيداً عن هذا المعسكر، حتى وهو يحمل شعار اشتراكية براقة في السبعينيات، حيث كانت علاقته بالسّوق الرّأسمالية تمثّل 85%، والباقي مع بلدان العالم الثّالث، والمعسكر المذكور آنفاً.

إذاً، فالاشتراكية بالنسبة للنظّام كانت شعارات جوفاء للاستهلاك المحلي، ومن ثم فهو نظام حكم مطلق لا يجد غطاءه، إلا في الشعارات البراقة، “ذلك أنه لا يمكن الإقرار لعصر أو لطبقة من المجتمع، أو لجماعة من النّاس أن يحكم عليهم، مثلما يحكمون هم على أنفسهم، إننا بإعادتنا شريط الماضي، ومقارنته مع الحاضر غير المتوقع، نجبره على إفشاء أسراره، تلك التي كانت على حدّ قول ريمون آرون، مستورة حتى على أكثر البصائر حدّة وتبصراً”.

جذور الأزمة الرّاهنة

إن ما يحدث في الجزائر راهناً، ليس نتيجة مؤامرة خارجية، وإنما يكمن في شيء آخر، بعيداً عن هذا، ملاحظين في الوقت ذاته، بأننا لا نستبعد انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية على الجزائر، مثل البلدان الأخرى، وكذلك سقوط المعسكر الستاليني، لكنها تظل عوامل ثانوية وجزئية، لأن أسباب الأزمة الحقيقية تعود جذورها في سوء التّسيير الذي اتّسم به الحكم المطلق، وفي مسيرة الحركة الوطنية الاستقلالية، التي ظهرت إلى مسرح التّاريخ، بعد الحرب الكونية الأولى، والتي وصلت إلى عطائها، في انتفاضة 8 ماي 1945 المغتالة، حيث تبدأ أزمتها الدّاخلية بين تياراتها الثلاثة:

  • الأقلية النّاشطة الجذرية، التي كانت ترى الحلّ يكمن في إعلان الكفاح المسلح (مجموعة المنظمة الخاصة، التي يعود الفضل إلى قادتها في تفجير ثورة نوفمبر 1954).
  • مجموعة مصالي الحاج، التي كانت على رأس حركة انتصار الحريات الديمقراطية، والتي كانت قريبة من حيث الروح الكفاحية، والنضالية في المواجهة ضد الاستعمار الاستيطاني، وفي إطار أفق سياسي متطوّر ومتنوّر، لكنها كانت ترى أن العامل السياسي، والتنظيم الحزبي، يأتي في الأولوية، كمرحلة مهمة، قبل الشروع في العمل المسلح.
  • التركيز المركزي الإصلاحي، الذي يرأسه بن خدة بن يوسف، والأحول الحسين، هذا التّيار، لعب دوراً بارزاً نتيجة إصلاحيته، وخوفه من المواجهة ضدّ الاستعمار الاستيطاني، في إفشال أي محاولة جديّة، للتّحالف بين النّاشطين وقيادة الحزب، خاصة بعد انفجار الثّورة المسلحة، لأن هذا التّيار كان يحاول  الاستحواذ والسّيطرة على قيادة الثّورة، بكل الأساليب والطّرق الملتوية، إذ استمر هذا الصراع قائماً دون حسم، حتى عشية انقلاب 19 جوان 1965، الذي قاده العقيد بومدين، ليكون هذا الانقلاب عاملاً فاصلاً، لمرحلة تميّزت بصراعات حادّة، لكنها تميّزت أيضاً بفهم سياسي عميق يرى باستمرار الآخر، وجوداً حتى لو يعاديه، في أطروحاته الفكرية والسّياسية.

بالرغم من تميّز مرحلة ما بعد الاستقلال 62/63 بعدم الاستقرار، إلا أن النّظام السّياسي كان يستند إلى قوى شعبية حقيقية، وتأييد جماهيري واسع وبمحاولة إيجاد تجربة مغايرة من الاشتراكية لما هو سائد، لذلك يشكل انقلاب 19 جوان 1965 نقطة تحوّل أساسية، من الحكم، ومحاولة إلغاء الماضي من ذاكرة الأجيال الصّاعدة.

بدأت هذه المحاولة بمطالبة بومدين في ندوة، حول كتابة التّاريخ، عقدت، في بداية السبعينيات، بعدم ذكر الأسماء أثناء تسجيل تاريخ الثّورة المسلحة وكأن هذا التّاريخ صنعته الأشباح. ولم يصنعه بشراً بدمائهم ودموعهم وآهاتهم. حيث شكلّ هذا المطلب البداية الحقيقية، لتغييب تاريخ الجزائر الحديث. واستعمال بعض وقائعه الجزئية حسب رغبات السّلطة، القائمة حتى لحظتنا الرّاهنة، “غير أن مصفاة التّاريخ تعيد العدالة إلى مجراها عاجلاً أم آجلاً”، كما يقول بوخارين بداية القرن الحالي.

لقد سبّب انقطاع الذّاكرة، هوّة حقيقية بين مرحلة تاريخية تعتبر من أهم المراحل التّاريخية من وجودنا كشعب، وبين الراهن المعيش، بحيث وجدت الأجيال الجديدة نفسها، مفصولة عن ماضيها، بواسطة استراتيجية الكذب المنظم، والتشويش الفكري، الممزوج بتمائم إيديولوجية، غاية في اللؤم والسّذاجة والتّفاهة.

من الأمثلة على هذا: الخلط المتعمد بين التربية المدرسة والتربية الإيديولوجية، وإلغاء مراحل تاريخية بكاملها، ودور الأشخاص فيها من كتب التّاريخ المدرسية، كمرحلة نشوء وصعود الحركة الوطنية الاستقلالية، من عام 1926 إلى 1954، وشطب أسماء الأشخاص، الذين قادوا الثورة المسلحة، بن بلة، بوضياف وآيت أحمد.

وهكذا أصبح بقدرة قادر العقيد بومدين أهم من كريم بلقاسم، في الثّورة المذكورة، والشّيخ بن باديس، أهمّ من مصالي الحاج، في الحركة الوطنية، بل وأكثر من ذلك، أضحت شعوذة توفيق المدني أهم من أبحاث محمد حربي التّاريخية، إلخ.

لكن كما يقول الشّاعر الصّيني القديم لاوتسي: “بالكلمات الجميلة، تستطيع أن تبتاع الكرامة، لكنك لا تتفوق على غيرك إلى بالفعل الحق”.

  ديسمبر 1996

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم صوّر المخرج كوستا غافراس فيلمه “Z” في الجزائر العاصمة

في مذكراته الصادرة حديثا عن دار لوسوي بفرنسا، تحت عنوان : “اذهب، حيث من المستحيل …

احميدة عياشي: هوامش الفاتح.. بداية ناقصة لثورة بتراء

لماذا الفاتح نوفمبر؟ مختلف القراءات انصب تفسيرها على يوم القدّاس (عيد الشّكر)، المخيال الدّيني، وإحداث …