الأحد، 16 يونيو 2019

الكتابة لحظة وعي أم وظيفة أيديولوجية؟

غادة بوشحيط

سؤال افتتح به الكاتب الرّاحل محمد بوشحيط(1943-1996) كتابه الأوّل، الذي صدر عن المؤسسة الوطنية للكتاب(1987)، جمع فيه الكثير من المقالات التي نشرت في مجلات وجرائد جزائرية وعربية.

وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثين سنة على صدور الكتاب، إلا أن السّؤال لا يزال يمتلك مشروعية كاملة في إعادة الطرح، خصوصا في ظل ساحة فكرية متململة، هلامية، غير واضحة المعالم، منبطحة، وغير قادرة على مقاربة الواقع بأدوات نقدية كفيلة بطرح بدائل معقولة تناسب الراهن الجزائري. مفكرون يدوي صمتهم في فضاء العزلة الجزائري غير قادرين على النفخ في الضّمائر، أمام هول الفواجع المرتكبة في حقّ التّاريخ والوطن، عاجزون عن الاستفادة من أدوات الرّاهن المعرفية وتوظيف وسائل تفكير بديلة، وعاجزون عن الثورة على كهان معابد الفكر الرسمي.

يخفي السّؤال ذاته تهكما واضحا على الكاتب الرسمي، ومثقف البلاط، والمفكر الوظيفي، الذي عوض أن يقدم مقاربات جادة وصريحة لمناقشة مختلف المشكلات، يتحوّل لأداة أيديولوجية، يقبل مساومة كلماته، مقدما تبريرات زائفة وأنيقة، مستأنساً بأجوبة على المقاس لكل الأسئلة الممكنة. ونكتشف من خلال مقال “حول الأزمة” لمحمد بوشحيط (الذي ينشر لأوّل مرة) أن ثنائية الكاتب المثقف الحرّ– الموظف الأيديولوجي، كانت (ولاتزال) الثنائية اللازمة للتاريخ الإنساني، منذ أرسطو حتى يومنا هذا (مرورا بمحمد بوشحيط نفسه).

فضل أرسطو تجرع السم على التفريط في مواقفه الفكرية، مؤمنا بقدرة كل إنسان على ممارسة التّفكير الواعي، جلد ابن المقفع وعبد الحميد الكاتب حدّ التدمي، نتيجة البوح بأرائهما. اضطهد ابن رشد وأحرقت كتبه، بسبب ثورته على معبد التفكير الرسمي. قطعت يدا الحلاج حتى يعود عن رأيه الفلسفي الثوري: “أنا الحق والحق أنا”. يكفر “محي الدين بن عربي” إلى اليوم. مات نجيب سرور بعد أن عرف حياة الفاقة والتّشرّد هو وعائلته، وأدخل “اسماعيل المهداوي” مستشفى الأمراض العقلية. لوحق كاتب ياسين، وقتل عبد القادر علولة والطاهر جاووت عقابا على آرائهم التي يرفضها كهان العصور الأولى، ويعاني جيلالي خلاص كما عانى مصطفى نطور.

كانت الإجابة محسومة لدى صاحب “الكتابة لحظة وعي”، فقد آمن بضرورة تزاوج التفكير بالممارسة.  اختار النضال مصيرا، سلاحا وكلمة حرة، آمن بالثورة واتخذها عقيدة بكل ما تحمله من أحلام جميلة، وطموحات مشروعة. عرف حياة المنافي والزنازين في سنّ صغيرة، التحق بالتجمع الكوني للثوار سنوات الستينيات، وتقاسم مع أصدقاء آخرين الإيمان بالإنسانية كديانة وحيدة ممكنة، والتسبيح بحمد الإنسان. يمكن بلا ضير أن نصنف الرجل كثائر عالمي، يساري حالم، وبطلا في زمن الخيبات. رفض كافة أشكال المساومة، حمل قلمه بندقية جابه به كل تزييف، وتشويه للتّاريخ.

إن الدّارس لأعمال محمد بوشحيط الأدبية الفكرية عموما تستوقفه كثرة القراءات النقدية التي قدمها للعديد من الأعمال الأدبية الجزائرية الشعرية والروائية، كما ساهم في تدعيم حركة نقدية باللغة العربية، وتقديم الكثير من الأقلام الجزائرية المتميزة كالطاهر وطار وعمار بلحسن وغيرهما لقارئ عربي متعطش للتعرف إلى الساحة الأدبية الجزائرية. غير أن أعمال محمد بوشحيط لم تقتصر على النقد الأدبي، بل كتب بإيمان يساري نقي، ورؤية ثاقبة عن الواقع السياسي الجزائري، العربي والعالمي، من خلال تشخيص دقيق، تشخيص العارف بخبايا الممارسات السياسية، والمحيط بأخبار التاريخ، تشخيص من خاض حروبا بأسلحة نظيفة، ومن جاهد في سبيل أفكار إنسانية نبيلة.

تبقى الحروب الفعلية هي حروب الذاكرة، والحقيقة متعددة، والجزائر تسع الجميع مساحة وقلبا، وللأفكار أجنحة سحرية تطير، تختفي ربما دهرا من الزمن، لكن التاريخ سيتكفل بإزالة الغبار عنها، كما أزيحت الرمال عن معجزة الأهرامات. وستبقى الكتابة حافظة الذاكرة البشرية التي لا تخون، ولحظة الانعتاق الوحيدة، لحظة التأمل الأكثر إدهاشا، لحظة العري التي يتجرّد فيها أي بشر مكتمل الإنسانية من عُرى التملق والزيف، ولحظة الوعي الكاملة التي تنقذنا من تيه الأيديولوجيات، والوظيفية المفرطة التي تفقد الإنسان جوهره.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كاتب ياسين في تسجيل نادر، ينتصر للمتنبي وعمر الخيّام

في هذا الفيديو النادر، سيتحدّث كاتب ياسين (1929-1989) عن الشاعر المتنبي، يُعرّف به، وعن سرّ …

يوم صوّر المخرج كوستا غافراس فيلمه “Z” في الجزائر العاصمة

في مذكراته الصادرة حديثا عن دار لوسوي بفرنسا، تحت عنوان : “اذهب، حيث من المستحيل …