الأحد، 16 يونيو 2019

فنلندي في الجزائر أو الحبّ الجيوسياسي

حاوره: أمزيان فرحاني. ت: جلال الدين سماعن

التقينا أوسمو بيكونن بالمكتبة الوطنية يوم الإثنين 28 جانفي الماضي. أين شارك وبمبادرة من سفارة فنلندا بالجزائر في لقاء بعنوان: “حوار الثقافات: مداخلتين فنلنديتين” مع صديقه الفيلسوف ومؤرخ الأفكار تارمو كوناس. ألقى هذا الأخير محاضرة عن عالم الإسلاميات الجزائري محمد أركون أما أوسمو بيكونن فقد ألقى محاضرة عن الأوبرات وذلك التعاون الذي كان بين الموسيقية الفنلندية الكبيرة كايجا سارياهو والكاتب وعضو الأكاديمية الفرنسية أمين معلوف. أوسمو بيكونن (Osmo Pekonen)، من مواليد سنة 1960 بمدينة ميكيلي جنوب فنلندا. أستاذ جامعي وباحث متحصل على شهادة الدكتوراه في الرياضيات ودكتوراه أخرى في تاريخ العلوم. له العديد من المؤلفات العلمية والأدبية لكن الشّعر هو هوايته المفضلة. كما أنه مترجم وصدرت له العديد من الترجمات.

كيف تنظرون من إسكندنافيا، هنالك “في الأعلى”، إلى الجزائر؟

إنها زيارتي الثانية فقط للجزائر ولا يمكنني الزعم بأنني أصبحت خبيرا بهذا البلد. قد تكون انطباعاتي الأولى خاطئة إلا أن شعب هذه الأرض القديمة جدا، من النوميديين وإلى غاية الاستقلال وتشكّل الحكومة المؤقتة، قد ترك عندي انطباعا جيدا. لكن هنالك “في الأعلى” كما قلت تبقى الجزائر بلدا غير معروف. وعليّ أن أقول بأن الجارين المغرب وتونس يعتبران وجهة سياحية للفنلنديين. أما في الحالة الجزائرية فلو حدث أن جاء فنلندي إلى هنا فإما لغرض خاص، اقتصادي أو مهني. كان لنا الحظ في تلقي دعوة من قبل سفيرتنا والتي هي إنسانة إيجابية ونشطة تسعى إلى ربط علاقات بين بلدينا، بما في ذلك الجانب الثقافي. هي إذن رحلة استكشاف رائدة إلى حد ما مع صديقي تارمو كوناس.

هل سبق وأن اهتممت بثلاثية الشّمال للكاتب الجزائري الكبير محمد ديب؟

بالطبع، فهذا الجزء من أعمال محمد ديب معروف جدا في فنلندا. بسبب سنّي لم أحظ بمعرفته شخصيا على عكس زميلي في الرحلة الذي أدار مهرجانا أدبيا شارك فيه ديب. هنالك العديد من المحطات في التطور الأدبي لمحمد ديب.

في بداياته كان كاتبا واقعيا وصف في رواياته اليوميات الصعبة للشعب الجزائري (الدار الكبيرة، الحريق والنول والتي شكلت ثلاثيته المعروفة بالجزائرية) والتي تُرجمت كلها إلى اللغة الفنلندية على عكس ثلاثية الشمال التي لم يتم ترجمتها. بالفعل، كان لي اهتمام بهذه الأعمال. ابنة ديب تعيش حاليا في هولندا، حاولت الاتصال بها لكن للأسف لم أفلح في ذلك.

درست الرياضيات وتاريخ العلوم، نشرت دواوين شعرية وقصصا شخصية. كما أنك مترجم… ماذا تخبأ وراء هذه الرغبة في التنوع؟  

أظن بأن هذه الرغبة مرتبطة خاصة بسنوات دراستي في فرنسا وإلى تلك الثقافة التي تشبّعت بها هناك، ثقافة ذات بعد عالمي. كل ثقافة تساهم في تعدد الأصوات الذي يعرفه العالم فلا يجب أبد أن نتجاهل وخاصة ألا نحتقر أي ثقافة. لكننا بالمقابل لا نستطيع أن نُجزم بأن الثقافة الفنلندية ثقافة عالمية.

طوّرت فرنسا ثقافة ذات نزوع عالمي فهي بلد يقع وسط أوربا ويطل على البحر الأبيض المتوسط. هذا الأخير نعتبره أيضا ملكا لنا كفنلنديين بالرغم من كونه بعيدا عنا، فقد شهد ولادة الثقافة الأوربية. اليونان، الإمبراطورية الرومانية، وإلى حد ما الجزائر أيضا باعتبار أن القديس أوغستين أصله من هذه الأرض…

مؤخرا، كثر الحديث عن علماء الأندلس أو المشرق وعن علماء عصر النهضة الذين تميّزوا بتعدد اهتماماتهم ومزاوجتهم للاختصاصات على غرار عمر الخيام الذي كان شاعرا وعالم رياضيات مثلك تماما، كما كان أيضا عالم فلك وله كتاب في الموسيقى… إلى أي مدى هم مثار إعجابك؟

بالتأكيد. تشكّل تمازج الثقافات وخاصة إبان العصر الذهبي للأندلس بفضل أناس متعددي التخصصات وذوو نزعة عالمية… للأسف، في إسكندنافيا ابتعدنا عنهم إلا أنني وعلى عكسهم كان لي الحظ في الاقتراب منهم. صديقي كوناس كان يتنزه بالدراجة رفقة محمد أركون ويتبادلان الأفكار خلال هذه النزه. الآن وفي كل سنة ننظم نزهة مع مثقف فنلندي في إطار هذه الروح المتعلقة بالعالمية.

واحدة من كتاباتك تتعلق بتلاقي الأديان خلال رحلة القس أوتيي إلى السويد سنتي 1737-1738. عن ماذا يتحدث بالضبط؟

شهادة هذه الشخصية فريدة من نوعها ذلك أنه في القرن الثامن عشر، كانت مملكة السويد (فنلندا كانت تابعة لها في ذلك الوقت) متعصبة للبروتستانتية، حتى أن الكاثوليكية كانت ممنوعة. القسّ الوحيد الذي نجح في الحصول على ترخيص يسمح له بزيارة هذا البلد في تلك الفترة كان الأب أوتيي. لم يحصل على هذا الترخيص بصفته رجل دين بل بصفته عالما جاء ليشارك في حملة مسح للأراضي لتحديد شكل الكرة الأرضية.

اليوم وعوض الحديث عن “لقاء” يتم استعمال مصطلح حوار…

بالفعل. أظن أنه يجب علينا حاليا مدّ جسور – أو على الأقل معابر – ليستقلها الناس وليفهموا قليلا ما هو ثمين وأبدي في الثقافة الأخرى.

في ظل راهن عالمي مشبع بأحداث عصيبة وأليمة، هل تظن بأن هذا الحوار موجود حقا؟

في رأيي، ليست الديانات هي من يجب أن ندعوها للتحاور بل الكائنات البشرية. هكذا ستتمكن هذه الأخيرة من أن تدرك بأنه وفي العمق هنالك قاسم مشترك يجمع البشرية قاطبة وبأننا كلنا إخوة. ستدرك أيضا بأن أصحاب الديانات التوحيدية كلهم أبناء النبي إبراهيم وبالتالي هم إخوة بينهم. العالم ليس بخير وإذا لم نتفطن إلى أن إيجاد حب أخوي هو ضرورة حيوية فإلى أين نحن ذاهبون؟

لكنني أستدعي هنا الرياضي والعالم الذي فيك، لا الشّاعر…

علينا تجاوز الأحكام المسبقة وأن نسافر لرؤية الآخر عن كثب. علينا أن نجرب بأنفسنا الآخرية باكتشاف الآخر وبإيجاد هذه القواسم المشتركة للبشرية.

أليس في الأمر تناقضا أن نرى كل هذا اللافهم وهذه الأحكام المسبقة في الوقت الذي تتمتع فيه البشرية بوسائل تواصل جد متطورة؟

للأسف، فقد أدت بنا تكنولوجيات الاتصال الجديدة إلى الوقوع في ديكتاتورية الفوري (L’instantané)، سواء تعلق الأمر بالأخبار العاجلة أو بالرسائل التافهة على الأنترنت. بصراحة، أكره كل هذا. لا أملك حسابا لا في الفايسبوك ولا في تويتر. بالنسبة لي، الكتاب هو وسيلة الاتصال المثلى. هذا النص الذي يستلزم وقتا للتفكير فيه ومسافة للاستماع إلى الآخر وفهم ما يريد قوله حقيقة أو فهم ما يريد كاتب وراء كتاباته. الكتاب يساعدنا على فك الرسالة التي تريد ايصالها لنا مختلف الحضارات الأخرى…

كيف تنظر إلى علاقة رجال العلم مع السياسة؟

للأسف، وقع السياسيون كسجناء لديكتاتورية الفوري. رئيس واحدة من أكبر القوى في العالم – ولست بحاجة لذكر اسمه – يحكم من خلال تغريدات على تويتر. من مصلحته أن يستمع إلى العلماء، هؤلاء على الأقل يقطعون شوطا كبيرا في التفكير قبل أن يتحدثوا. أفكر مثلا في كل ما يتعلق بالتغيّر المناخي. علينا أن نكون جادين، أن نعمل ونفكر مليّا قبل إصدار النتائج. إحياء ثقافة الكتاب أمر واجب.

ما هي الأبيات من شعرك التي تراها الأفضل في وصف عالم اليوم؟

ليس سهلا عليّ أن استحضرها الآن. فنلندا بلد ثنائي اللغة وهما لغتان رسميتان: الفنلندية والسويدية. انهيت مؤخرا ترجمة قصيدة حب طويلة من السويدية إلى الفنلندية. هي ملحمة حقيقية حدثت في القرن الثامن عشر. سيصدر الكتاب في مارس المقبل وهو يحمل عنوان: في الحب. هو إذن لا يتحدث عن عالم اليوم لكنه يتحدث عن العالم كما يجب أن يكون.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كاتب ياسين في تسجيل نادر، ينتصر للمتنبي وعمر الخيّام

في هذا الفيديو النادر، سيتحدّث كاتب ياسين (1929-1989) عن الشاعر المتنبي، يُعرّف به، وعن سرّ …

يوم صوّر المخرج كوستا غافراس فيلمه “Z” في الجزائر العاصمة

في مذكراته الصادرة حديثا عن دار لوسوي بفرنسا، تحت عنوان : “اذهب، حيث من المستحيل …