الخميس، 17 أكتوبر 2019

صافية كتو : أحاسيس هوت من جسر

عندما انتقلت الشاعرة والإعلامية الجزائرية الراحلة صافية كتو (1944-1989) واسمها الحقيقي الزهراء رابحي، من مسقط رأسها مدينة العين الصفراء، في الجنوب الغربي، إلى الجزائر العاصمة، فكّرت أنّ فضاء تلك المدينة الجنوبية، المحافظة، لن يسع طموحها ورغبتها اللامحدودة في قول الشعر بحريّة أكبر. هكذا عقدت العزم على تغيير واقعها، وقرّرت الانتقال إلى مكان أرحب، نحو مدينة تتصالح مع طموح امرأة، في التوق لتحقيق ذاتها في الشعر والحياة.

صافية كتو

تخلّت عن اسمها ولقبها «الزهراء رابحي» وتبنّت اسمًا مستعارًا «صافية كتو». اسم هو مزيج من تسمية قديمة للمدينة مسقط رأسها (كانت تسمى قديما العين الصافية) ولجدّة لها (كتو) حدّثتها أمّها، أنها كانت ذات محاولات، تقول شعرًا شعبيا جميلا، لم تتمكّن من تدوينه، استعصى عليها كتابته لجهلها الكتابة والقراءة، لتغيب كلماته متوارية في طيّ النسيان، وحسرة عجز في ممارسة أشياء الكتابة.

الوجه الآخر لصافية كتو الإنسانة، يثير الحيرة. كيف استطاعت هذه المرأة، «الغزالة السمراء» كما كان يحلو لها أحيانا وصف نفسها، القادمة من مجتمع محافظ، يبدو حريصا على عدم تجاوز خطوط رسمتها تقاليد كبّلت تحرّكات المرأة، في ستينيات الجزائر، والبلد يلملم جراح ليل الاستعمار الطويل، أن تُهرّب أشعارها وتوقها لاحتضان الحياة، كامرأة وكمبدعة صوب العاصمة المدينة، وأن تنال حظها من الشهرة كصحفية، تكتب في كبريات الجرائد والمجلات الجزائرية آنذاك، ومن ثمّ، تحقق طموحها في الكتابة والإبداع الأدبي، بل وتشتغل على تجارب إبداعية جديدة، تجسّدت في قصص الخيال العلمي، المتضمنة مجموعتها القصصية «الكوكب البنفسجي».

كيف تحوّلت ملامح السعادة التي عاشت إرهاصاتها أثناء الفترات الأولى من إقامتها بالجزائر العاصمة، وقد بدت واضحة من خلال قصائد انتصرت للسعادة والفرح : «عند مفترق الطرق بين النجوم/ ذقت السعادة / لم أتذكر تحت أيّ ظروف حدثت المعجزة/ في استعمالي الزمني/ استمرت لثوان/ لساعات وأيام / أعوام وقرون / وعبرت الزمن / بأجنحة كبيرة / زرت الفضاء ونجومه التي لا تحصى / في مفترق طرق الزمن /ثمة زهور وحب لذيذة للعيش…» إلى حالة توجّس، تبدو واضحة من خلال مجموعة أخرى من القصائد، خاصة تلك التي كتبتها في سنواتها الأخيرة، قبل أن تلقي بنفسها من فوق الجسر: «أحسّ بثقل في قلبي / منهكة أنا بكاهلي الثقيل، بالخطايا / بضجيج  المحطات المكتظة / في كل يوم أزداد انحناءً / تحت عبء آخر / يهبط و يضغط /على صدري الضيّق المخنوق بالملل/ قليلون هم من يفكرون في معاناتي/ ولا من يواسيني و لو بكلمة/ بابتسامة… » سرعان ما تحوّل شيئا فشيئا إلى ما يشبه الشقاء، في أواخر الثمانينيات، دفعها قسرًا إلى اختيار نهايتها التراجيدية. نهاية تضاربت الروايات حول أسبابها الحقيقية، لكن هل كانت للأحداث الدامية التي عاشتها الجزائر، فيما أصبحت تسمى بالعشرية السوداء، مسوّغا لرؤية تنمّ عن فراسة، بعد أن طال الاغتيال نخبة من الكتّاب والصحفيين، ابتداء من صديقها في الكتابة والإعلام الراحل الطاهر جاووت؟

إضافة إلى مجموعتها الشعرية «صديقتي القيثارة»، التي تغنّت فيها بالطفولة والربيع والأم، واحتفت فيها بالسلام والحرية والعدالة والأرض، ونددت بالبؤس والظلم والاستغلال الطبقي والعنصرية، ليس في الجزائر فحسب بل في جميع بلدان العالم. حققت صافية كتو من خلال مجموعتها القصصية «الكوكب البنفسجي» الصادرة سنة 1983في كندا، ما يشبه التأسيس للكتابة القصصية في مجال الخيال العلمي، ولولا رحيلها المفاجئ، وهي في أوج تألقها الإبداعي، لاستكملت اشتغالها بتلك التجربة الأدبية الهامة، ولحققت -لا شك- إضافة جديدة في جنس أدبي، لم ينل حظه من الاهتمام في الجزائر، والعالم العربي. هكذا اعتبرها الناقد والصحافي التونسي حمادي عباسي «رائدة في مجال القصة المرتبطة بأدب الخيال العلمي». هكذا تحدثت صافية كتو عن تلك التجربة : “اخترت الخيال العلمي حتى أجد حرية في الغوص في الزمان و المكان، حيث لا توجد حدود في الفضاء، وهذا ما يجعلني أعيش عالما مدهشا وغريبا، وحتى  أبطال القصص لا يوجدون في الواقع ولم يتم تناولهم في أعمال الأدبية أخرى”.

غلاف “صديقتي القيثارة”

لسبب غير مفهوم لم تحظَ صافية كتو باهتمام يليق بكتاباتها ومواقفها، لولا مبادرات فردية من مثقفين من أبناء بلدتها الجنوبية، حيث وُلدت، وحيث تُدفن اليوم في مقبرتها، على بعد أمتار من قبر إيزابيل إيبرهارت (1877-1904) وهي الكاتبة والرحّالة، التي كانت صافية تعشق نصوصها، وتبحث في سيرتها ومغامراتها.

لم تكن صافية كتو سوى فتاة حالمة فارّة من القرية إلى المدينة لاكتشاف ذاتها، ولكنها وصلت إلى خيبة الأمل فالسقوط. هكذا تتساءل الشاعرة زينب الأعوج في حسرة : «… متى يخلد اسمك في مكان ما من الأمكنة التي اشتغلت فيها، أنت التي دافعت وكتبت بكل قوة ورزانة وتواضع، عن واقع المرأة والمجتمع والإنسان بشكل عام، وأنت تحلمين كيف يمكن هز المجتمع من العمق، لزحزحة المسلمات، وتغيير الذهنيات، وتحريك الماء الراكد. أنت التي عانقت القيّم الإنسانية العليا والقضايا العادلة بكل اتساعها. أنت التي لم يغب عنها ما يمسّ الإنسان في العمق، الإنسان كقيمة عليا أينما كان، وأينما وجد».

 

غلاف مجموعتها القصصية “الكوكب البنفسجي”

صدرت مجموعتها الشعرية «صديقتي القيثارة»، بكندا سنة 1979، في أول طبعة لها، وأعيد طبعها سنة 1983؛ وتعتبر باكورة إنتاج صافية كتو الشعري، وهي أقرب ما تكون إلى لوحات وخلجات نفس، بلورت قريحتها الشعرية وقاربتها للنضوج؛ متأثرة بما كان يقع حولها، من اقتتال وحروب في العالم، غيّرت مجرى التاريخ، مخلفة مآسٍ لامست هشاشة قلبها الرهيف. هكذا جاءت تلك القصائد مغلّفة بمسحة من التلقائية والحنين الدافق، للمدينة الجنوبية، مسقط رأسها، ولبلدها الجزائر، إلى جانب فيض من أحاسيس طال آلام الآخرين من المعذبين في الأرض، والمستضعفين عبر العالم.                     

في 29 جانفي 1989، ذكرت تقارير الشرطة عن أحد الشهود، أنّه رأى امرأة تنزل من سيارة أجرة عند الثامنة صباحاً، دفعت للسائق أجرته، ثمّ انحنت يمينا، سارت بضع خطوات وقفزت من أعلى جسر تيليملي في وسط الجزائر العاصمة. يتساءل سعيد خطيبي، لماذا انتحرت صافية كتو؟ كيف تركت أصدقاءها ينتظرون مسرحيتها «أسماء»؟ وماذا عن روايتها التي قالت «بأنها تغوص في الجانب السيكولوجي من حياة الفرد»؟ هل سنقرأ يوماً تلك الرواية التي ترفض عائلتها، حتّى الساعة، الكشف عن أوراقها؟

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …