الخميس، 18 أبريل 2019

بوعلام صنصال وكمال داود: ما هو السّيناريو المحتمل لما بعد بوتفليقة؟

جلال الدّين سماعن

على يوتيوب يمكننا مشاهدة فيديو يقول صاحبه بأنه نادر. يظهر فيه محمد ديب بسحنته الملائكية وطمأنينته الآسرة ليخوض في حديث مشوّق عن.. كاتب ياسين. لا أظنني الجزائري الوحيد الذي يقشعر بدنه في كلّ مرة يشاهد فيها هذا الفيديو. قشعريرة تتضاعف حين نستمع إلى الإطراء الذي يقوله الرجل، بكلّ عفوية وصدق، لا يشوبه أدنى نفاق أو مجاملة، عن صديقه كاتب. كيف لا والأمر يتعلّق بعظيمين من عظماء الجزائر. كيف لا والجزائري تعوّد على رؤية كبار كتّابه يغرقون في صراعات سببها تضخّم الآنا. في المرات النادرة جدا التي رأيت فيها أيضا كاتبين جزائريين كبيرين في جلسة واحدة كانت منذ سنتين أو ثلاثة حين فعلها فرونسوا بينال واستضاف ياسمينة خضرة وبوعلام صنصال في حلقة واحدة، من برنامج “المكتبة الكبيرة”.

منذ أيام قليلة، عاد صنصال ليجتمع بكاتب جزائري آخر، من الذين تمكّنوا في وقت وجيز من فرض أنفسهم: كمال داود. حدث ذلك في حوار نشرته جريدة لوفيغارو. بعد الكتابة، الاحترام والإعجاب المتبادل، هنالك أشياء كثيرة تجمع بين صنصال وداود: بغض صارخ للإسلاموية، معارضة نظام آل بوتفليقة، وأشياء أخرى.

اللقاء الأول

هكذا سيكتشف القارئ، في ذلك الحوار، بأن اللقاء الأول الذي جمع بين صنصال وداود حدث قبل عشر سنوات وكان “فوق السحاب”.. إذ كانا في نفس الطائرة في مكان ما بين الجزائر ومرسيليا. يقول كمال داود الذي كان جالسا وخلفه بصف أو صفين صنصال: “لم أتجرأ بأن أذهب إليه وأكلّمه. قضيت معظم الرحلة مستديرا ومتسائلا بيني وبين نفسي: أذهب إليه أو لا أذهب؟. في النهاية شعرت بتصلّب في الرقبة. أنا جدّ معجب ببوعلام صنصال بالرغم من أنه من الصعّب أن يُعجب الجزائري بجزائري آخر! (يضحك) أنا معجب بأعماله ولكنني أيضا معجب بشخصيته: حريته واستقلاليته”. هذا الإعجاب متبادل. يقول صاحب رواية قسم البرابرة: “كان كمال داود كشعلة أضاءت سمائي. في سنوات التسعينات. لم يكن عندي أيّ أمل وكنت أظن بأن الجزائر ستسقط إلى الأبد. ثم في يوم من الأيام فتحت جريدة Le Quotidien d’Oran (حيث يكتب كمال دواد مقالاته اليومية) وقرأت مقالا فقلت في نفسي: “أيعقل أن مثل هذه المواقف لا تزال موجودة؟ لا يمكن أن يتحدث رجل بهذه الطريقة في هذا البلد. كنّا في أوج الحرب الأهلية والأهم كان إبداء الشجاعة.”

بالرغم من الصّداقة الأدبية والفكرية التي تجمعهما إلا أن اللقاءات بينهما ليست بالكثيرة. يقطن داود بوهران في حين أن صنصال يعيش في بومرداس، بالقرب من العاصمة: 400 كيلومتر تفصل بينهما.

قدر متشابه

يُمثّل كل واحد منهما وجها من أوجه الحرية. صنصال شخص هادئ أما داود فيشبه العاصفة. وإذا كان الأول بشعره الأبيض المتدلي وبسمته الأبدية المفعمة بالحكمة والتي تجعله شبيها بمعلمي الكونغ فو وتشكّل مصدرًا يستقي منه حريته، فإن الثاني يتغذى من عداواته ويسهل على أي كان أن يُخّمن هذا الغضب الذي يسكنه وهذه الرغبة الجامحة في استغلال كل ثانية من حياته.

كان اللقاء بين الكاتبين بسيطا، حميميا وأخوياً. يتقاسم داود وصنصال قدرا مشتركا وكلاهما ينتمي إلى نفس التيار الأدبي والفلسفي: يمثلان كبّار كتّاب عصرهما، وكلاهما يتميّز بالمقدرة على المزاوجة بين المحلي والعالمي. هما يرفضان ديكتاتورية آل بوتفليقة ويتحديان علنا هوس وأكاذيب المتطرّفين. كلاهما ورث عن ألبير كامو تمرّده وتمزّقه: بين الجزائر وفرنسا، تاها بين المنفى وبين التشبث بأرض الأجداد. يعتبرهما الغرب “متمردان شجاعان” ويراهما المشرق “كعميلين لفرنسا”.

وإذا كان صنصال قد عاش وهو صغير على مرمى حجر من بيت صاحب نوبل للآداب ببلكور، فإن كمال داود قد أحيا ذكراه في رواية (مورسو، تحقيق مضاد) لاقت نجاحا منقطع النظير منذ بضع سنوات. بيّن داود في هذه الرواية أن ذكرى جرائم الاستعمار وحرب التحرير تحوّلت إلى سجن بالنسبة للجزائريين الذين رفضوا خلع ثوب الضحية وبناء مستقبلهم. يقول داود: “الذكرى التي قد تكون عند بوعلام فيما يخص حرب الجزائر ليست تماما كالتي عند الأجيال التي تلته والتي لم تعش هذه الحرب. الجيل الحالي أعاد صياغة هذه الحرب بشكل وهمي وتعويضي، مع شعور معاد لفرنسا بشكل قويّ. يحدثك شباب في سن السابعة عشر عن فرنسا ببغض لا يشاطره معهم حتى والدي الذي عايش تلك الحقبة”. يُعقّب عليه صنصال بنبرة استهزائية: “هنالك اليوم الملايين من المجاهدين المزيفين، الذين خرجوا من حيث لا ندري. يتخيّلون بأنهم يعرفون كل شيء بالرغم من أنهم لم يعيشوا شيئا.”

ولد كمال داود بعد ثمانية سنوات من الاستقلال في حين أن صنصال كان يبلغ آنذاك 13 سنة. عايش بذلك جزائر الشيوعية والإلحاد، جزائر يمكنك أن لا تصوم فيها أو أن تخرج مع صديقتك لتشرب كأس نبيذ وأنت جالس على شرفة مقهى. جزائر الأقدام الحمراء، مكّة الثوّار والتي كان الدين يعتبر فيها أفيون الشعوب.

يقول صنصال: “كان في الجزائر العاصمة نخبة اليسار العالمية: تشي غيفارا كان يملك شقة قبالة الكاتدرائية. البلاك بانترز وريجيس دوبراي مروا من هناك أيضا. يوم كنت طالبا التقيت بقدوتي بوب ديلان وجاين فوندا في الجزائر. ثم جاء بومدين عن طريق انقلاب عسكري معلنا بذلك نهاية فترة الاستراحة وقرر أن يجعل من البلد ثكنة عسكرية (…) عادت الأقدام الحمراء إلى بلدانها، ثم شيئًا فشيئًا بدأت تتوافد ما يُعرف بالأقدام الخضراء: المساجد ليدعوا إلى عودة الإسلام. كنا نتهكّم عليهم لكن وفي ظرف ثلاث سنوات صبغوا كل شيء بصبغة إسلاموية، بما في ذلك الأطفال في المدارس. أنت أيضا، كمال، وقعت في الفخ فترة من الزمن”.

يردّ داود: “بتعبير أدق: انطبق عليّ الفخ. كنت شابا وكنت متعطشا للمطلق. من جهة، كان هنالك حزب جبهة التحرير الوطني، أي العدم، لا شيء. ومن جهة أخرى كان هنالك عرض إيديولوجي يتكفّل بكلّ شيء، يحدثك عن النظافة، عن الجسم، عن الموت… وبين الحزب والداعية، بدا لي هذا الأخير أكثر إغراءً. خاصة وأن هذا الداعية عرض مجدا على هذا المراهق العاطل الذي كنته. كان المسجد هو الطريقة الوحيدة للخروج من الثّكنة.”

كانت القراءة والكتابة – مساحة الحرية الوحيدة – هما الشيئان اللّذان ساهما في إنقاذ الشاب كمال داود. تلقفت يده كلّ كتاب يصادفه: من كتب جول فيرن الممزقة إلى كتب الطبخ. كما أنه كان يكتب كراسات كاملة ليخلص في النهاية إلى درس مفاده بأن: “الثقافة شيء حيوّي بحقّ. حيوّي لإنقاذ الأشخاص. يجب أن ننقل للشباب أكبر قدر ممكن من الثقافة. ووحدها هذه الأخيرة من تجنّبهم من التلاعب الديني ومن الإيديولوجيات القاتلة. وإذا لم تكن هنالك ثقافة لتخفف من وطأة كل هذا فإن الكارثة ستحدث لا محالة.”

تهديد الإسلاموية

بوعلام صنصال: الإسلاموية منتشرة في كل مكان ومسيطرة على كل المساحات، كما لو أنّه غاز.

كمال داود: الركود الحالي الذي تعيشه الجزائر خديعة يحاول الكل تصديقها. ليست كل الأمور ثابتة: الإسلامويون نشطون جدًا، وفي كل مرة يسطون على أشياء جديدة. منذ سنوات والنظام يتعهد لهم بتسيير المساحات العمومية، وسائل الاتصال، الجرائد، قنوات التلفزيون، سلسلة المساجد والدعاة. لقد تم استمالة المجتمع ولم نعد نملك مواطنين بل مؤمنين.

يرى كل من الكاتبين بأن السيناريو الأكثر احتمالا بعد ذهاب بوتفليقة هو أن نشهد توافقا بين الإسلامويين والضّباط الجدد، وهو ما يشكل خطر ظهور “إيران سنية” في شمال إفريقيا. وفي ظلّ هذه الأجواء غير المستقرة فإن شهرتهما لن تضمن لهما أدنى حماية. يقول داود: “هناك دعوات لتصفيتنا تبث من طرف قنوات إسلاموية. الأمر يخيفني لأنني مسؤول عن عائلة”. يردف صنصال موافقا: “في اليوم الذي نغدو فيه تهديدا حقيقيا لشخص ما في النظام فإنهم سيقتلوننا”.

هل يفكران في الهجرة والاستقرار في فرنسا؟

يجيب صنصال ضاحكا: “ككلّ الجزائريين، نفكر في الأمر في كل صباح. ثم في المساء نقول في داخلنا: “سنفكر في الأمر لاحقا”. مثله مثل كامو، فضّل صنصال المكوث في الجزائر لوقت طويل من أجل أمّه، والتي توفيت الآن. ابنتاه تعيشان في براغ وهما أوربيتان. بالنسبة له، ليس هنالك طارئ يُرغمه على الذّهاب. أما داود فهو يشعر بأنه محصور بين أمه وأولاده. يقول: “أشعر بخوف أكبر على ابنتي أكثر من ذلك الذي ينتابني حين أفكر في ابني. بالنسبة لي، البلد ليس فقط علم ونشيد؛ إنه المكان الذي نرغب بأن نرى فيه أولادنا يكبرون. لكن في الجزائر الكل يريد أن يهجّر أبناءه. لا يمكن إذن الحديث عن بلد”.

يضيف صنصال: “كثيرا ما يفكر الجزائريون في المغادرة من أجل أبنائهم. لكنهم لو فعلوا فإنهم سيقولون بينهم وبين أنفسهم بأنهم سيهربون من السيء إلى الأسوأ لو أنهم استقروا في الضواحي الباريسية”.

في الحقيقة، سبب تردد الكاتبين هو أنهما يعتقدان بأن فرنسا لم تعد تلك التي أنشأت فولتير وبأنها تشبه أكثر فأكثر تلك التي كتب عنها ميشال ويلباك في روايته “الخنوع”. يقول داود: “يزداد خوفي أكثر في فرنسا. أخاف أن يباغتني شاب ذو 17 سنة ويقتلني بسبب تعصبه”. أما صنصال فيكشف بأن محاولة الاعتداء الوحيدة التي تعرض لها حدثت له بمدينة… نيس الفرنسية من طرف شاب فرنكو – جزائري.

زد على ذلك فهما ليسا فقط عرضة للتهديدات الإسلاموية أو لتهديدات النظام، بل حتى طائفة من المثقفين الغربيين لا تستسيغ أفكارهما وتتهمهما بإطلاق أحكام مسبقة حول المسلمين، بلعب لعبة اليمين المتطرف والإسلاموفوبيا. هذا ما حدث لداود غداة مقالته حول واقعة كولون الألمانية. وهي “فتاوى رمزية” تُضاف إلى الفتاوى الحقيقية التي أصدرها شيوخ في حقهما معتبرين إياهما “خائنين” فقط لأنهما رفضا الرضوخ لفكرة الانتساب للطائفة (الأمة).

صنصال: ما لا أفهمه هو أن الجزائريين لا يُبدون أدنى مقاومة حتى ولو توفرت لهم الفرصة في بلد ديمقراطي مثل فرنسا.

داود (منفعلا): بل إنهم يفعلون العكس يا بوعلام. هم يتهموننا لأننا نتحدث بحرية. في كل مرّة تُمنح لي الكلمة في نقاش ما، هنالك دائما جزائري ما ينهض ويقول لي: “أنت تشوّه سمعة بلدك واليمين المتطرف يستغل ما تقوله”. في الدول الغربية، تصوّت الجاليات لصالح الإسلامويين. يا للمفارقة! يريدون أن يعيشوا في دول حديثة ويرمون لنا أنظمة خلافة إسلامية عن طريق الوكالة. لماذا يعيشون في دول حرية ولا يطوّرون هذه الحرية عوّض تكميمها؟ لا نذهب إلى بلد حر لنعيش منطويين على أنفسنا. الأمر غير مقبول. هذا يقتلني. لي رغبة في أن أوجّه نداء من أجل السّعادة: كونوا سعداء!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بيار بورديو

بيار بورديو: عنصرية الذّكاء

ترجمة: غادة بوشحيط يجب الانتباه إلى تعدّد أنواع العنصرية: هناك عنصريات بعدد وجود مجموعات بحاجة …

عرس الذيب

دونها: ناصر موزاوي*. ترجمة: جلال الدّين سماعن لا أحد في الجبال ولا في السّهوب يجهل …