السبت، 16 فبراير 2019

أن تكون كاتباً جزائرياً سنوات التّسعينيات

جلال الدّين سماعن

يبيّن تريستان لوبيرلييه في مقدمة كتابه “الجزائر، كتّاب في العشرية السّوداء” بأنه سيعكف على تحليل “حقل أدبي مُؤمّم لكنه يشتغل بطريقة عابرة للحدود وذلك بفضل وجود جالية كتّاب مقيمين في الغربة وبفضل النشر خارج الوطن”. أشياء كثيرة تميّز عناصر هذا الحقل وكتّابه ويمكن إيجازها في جملة واحدة: “المنافسة بل وحتى الكراهية فيما بينهم”، هذا ما أدى إلى خلق تراتبية بينهم. فيُصنف الذين ينشرون خارج الوطن في المرتبة الأولى أما أصحابها فلا يستشهدون إلا ببعضهم بعضا متجاهلين أقرانهم الذين ينشرون أعمالهم داخل الوطن. كما أنه كثيرا ما يستشهد الكتّاب المعربون بنظرائهم المفرنسين لكن العكس نادر الحدوث.

“الاستشهاد العفوّي يسمح لنا برسم معالم حقل أدبي بلا حدود وثنائي اللغة وفقا للجغرافيا، وهو أيضا تراتبي ومقسّم وفق اللغة. يمكننا استخلاص مركز – كبير يتكوّن من فوج الكتّاب الذين ينشرون في كبرى دور النشر الباريسية؛ مركز عالمي (باللّغتين)؛ محيط مُأقلم في الجزائر (باللّغتين) وهوامش تستعمل اللّغات الشفوية، سواء تلك التي تعرف ضعفا في كفاحها من أجل الاعتراف بها وطنيا (العربية الدارجة) أو التي تعرف كفاحا مستميتا (ثمازيغث)”.

النقطة الأخرى التي تميّز الجدل القائم حول الحقل الأدبي في دول ما بعد الاستعمار متعلّقة بغياب استقلاليته عن الحقل السياسي. في الحالة الجزائرية، فالكتّاب مدعوّون دائما إلى المشاركة في النّقاشات بل حتى في السياسات العامة، مع فارق أن كتّاب الداخل كانوا يخضعون أكثر للضغوطات السياسية مُضافة إليها الضغوطات الدينية؛ على عكس بعض الكتّاب الذين استغلوا وجود سوق حرة عالمية (خاصة باريس وبيروت) فنشروا فيها أعمالهم بعيدا عن أيّ وصاية سياسية أو أخلاقية. غير أنه وجب الإشارة إلى أن هذا الأدب (الذي كُتب معظمه في فرنسا نظرا لكونها قبلة لأغلبية الكتّاب الذين اضطروا إلى الهجرة) قد تم تأميمه وذلك بسبب “الالتزام” السياسي لأصحابه وبسبب أفق انتظار الجمهور الفرنسي تُجاه أدب من واجبه أن يتطرق إلى الراهن السياسي الجزائري.

أزمة سياسية

يُعيد ويُؤكد تريستان لوبيرلييه إلى أن هدف كتابه هذا هو الخوض في تلك الطّريقة التي تعامل بها الحقل الأدبي الجزائري بشقيه الداخلي والخارجي مع الأزمة السياسية وذلك بدراسة مدى “التزام” الكتّاب مستعينا في ذلك بأدوات أدبية وأخرى من العلوم الاجتماعية. يرى الباحث بأن التزام الكتّاب الجزائريين خلال التّسعينيات مرّ عبر إشكالية الشّهادة (Témoignage) والذي يُعتبر قبل كل شيئا خلقا “لتاريخ مضادّ” من طرف مأمورين لمواجهة الخطابات الفرنسية حول جزائر الحرب الأهلية. هذا الأمر دفع به إلى الاهتمام بأجناس أدبية قلّما يُتطرق إليها على غرار الشهادة وكتب الهجاء. وخلص لوبيرلييه إلى أن الموقف السياسي إزاء الحركة الإسلاموية في الحالة الجزائرية كان مرتبطا بنوعية رأس المال الأدبي (الداخلي والخارجي) وبحجمه. بهذا فهو يضع قطيعة مع ذلك التأويل المهم حول هذه الفترة والذي يعتبرها “حرب لغات”.

وهو يُعد أطروحته، اعتمد الباحث على العديد من الوسائل الأدبية وباللغتين العربية والفرنسية: اشتغل على حوالي مئة عمل وقام بتحليل عشرين رواية بشكل معمّق. كما استعان أيضا بأرشيف ثلاث جرائد وطنية:Algérie-Actualité، El-Watan وأسبوعية La Nation. كما قام بإجراء ثمانين حوارا مع كتّاب، ناشرين، مسؤولين سياسيين ومترجم واحد.

يُتبع

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سعداء وسط النسيان، وقد رحلوا

د. عبد الوهاب بوشليحة وأنا أقرأ ديوان “صديقتي القيثارة” للمرحومة صافية كتو، وقد ترجمه الأستاذ …

تريستان لوبيرلييه

ما المقصود بعبارة كاتب جزائري؟

جلال الدّين سماعن صدر، حديثا، كتاب “الجزائر، الكُّتاب إبان العشرية السوداء”، للباحث الفرنسي تريستان لوبيرلييه. …