الإثنين، 17 يونيو 2019

سعداء وسط النسيان، وقد رحلوا

د. عبد الوهاب بوشليحة

وأنا أقرأ ديوان “صديقتي القيثارة” للمرحومة صافية كتو، وقد ترجمه الأستاذ بوداود عمير، قلت في نفسي: ذات يوم، وحين تبدأ مناخل التاريخ والنقد الأدبي في غربلة آلاف الصفحات ومئات الكتب التي حاولت أن تقدم شهادة صادقة عن تراجيديا الأدباء والكتّاب والشعراء والفنانين في الجزائر، سيكون ديوان صديقتي القيثارة، بين القلائل من الدواوين والأعمال الإبداعية التي ستبقى، وفي طليعة الأعمال التي ستحتفظها ذاكرة التاريخ والأجيال المقبلة.
قدمت صفية كتو، في ديوانها شهادة تفيض بالإبداع والألم، ومأساتنا التاريخية والإنسانية التي تحتاج إلى قلمها إلى جانب الصدق والموقف. تلك الموهبة، والاستثناء ستجلي كل الأبعاد عبر تاريخ الكتابة الإبداعية في الجزائر، وبالتالي ينبغي ألا يفوتنا هنا أن الحداثة في النص هي في عمقها ابتكار لألم ما، غصة ما، وأسلوب في الموت لا يتكرر، وأخيرا وليس آخرا، ابتكار لأشكال جديدة في المقاومة والأمل يقدم لجيل لم يعرفنا يوما…
رحلت صافية… ولكن من يستطيع أن يجعل من “صديقتي القيثارة” هذا المزيج من الهواجس والكآبة والموت الاستثنائي، يرحل من نفوسنا وضمائرنا ورغبتنا، في القراءة المفتوحة على المعنى، والحياة..

بقي طيف صافية كتو يطاردني كلما وقفت عند كاتب ما، أقرأ، وأبحث عن فكرة؛ فمنذ مدة أصبح هوسي قائما على البحث عن الأفكار، حتى إذا استعصى المراد اهتديت إلى جدلية الهدم والبناء لأصوغ معنى ما، وهي إستراتجية وجدتها تربة للقبض على فكرة تجاوزتني بحكم قصوري المعرفي… وليكن… فطيف صفية كتو فتح باب السؤال عن وضع الكتابة الهامشية في الجزائر، والهامشيين من الكتاب الذين لا نعرف لهم أثرا؛ ولا تعرفهم ساحة الصحافة، ومنابر الإعلام المرئي والسمعي.

هم طبقة تحمل خصوصية لا شكل لها، ولا لون لها؛ لكن لها طعم البراءة والصدق في الكتابة. والإبداع الاستثنائي بما رسموها على مستوى المبنى والمعنى. صحيح هو مجرد تقدير أولي وافتراضي لطبقة من الكتّاب لا اعرف أيا منهم. لكني كلي يقين أنهم في خلوتهم البسيطة، مع الصمت يسكنون؛ ويكتبون بلغة ثانية، أو ثالثة تحمل صيغة حداثية وتؤسس لجنس أدبي أو أجناس لم يرد أمره في المصنفات الأكاديمية ربما.

من هذا التصوّر الافتراضي المبدئي، أقدر أننا لا نستطيع معرفة القيمة الأدبية والفكرية لما كتبه هؤلاء عبر مسار العمر، فقط من الممكن الشعور بالاعتزاز، وهو الشعور الأرسخ والأبقى في أعماق كل الذين طواهم النسيان وقد كتبوا .. ورحلوا في صمت…

وإذ أقول كتبوا، وانسحبوا في صمت، فلأنهم لامسوا مباشرة الأثر النفسي لما يكتبونه في كيفية تعامل القراء والنقاد مع هذه الكتابات..

إن الهامشي وهو يكتب، هو حلقة لمازوشية الكتابة كاستثناء، لا يعرفها الآخرون؛ ولأنهم لا يعرفونها ينأى عن مسالكهم سر الإبداع وطبقات الحداثة؛ فالهامشي الذي سكن العزلة ويتكلم الصمت، ويكتب بحرائق الروح يعرف معنى حالات العذاب النفسي، ويقاوم التنكر والحصار معا بالكتابة، والتعاطي المباشر مع الناس الذين يكتب معهم وعنهم ولهم.

وقد يأتي ذات يوم واحد من المهمشين، المهوسين بالتفتيش في الكتابة عن أدبية الأدب، أو شعرية الشعر، أو شعرية السرد ويعلن أنه وجد مقالات، قصصا، قصائد تخاف أن تحرقها النار والنيران.

صافية كتو

لهذا سيقترب هذا القارئ أو الناقد، أو المجهول، من عوالم الهامشي وفي ذات الوقت سيبتعد عن تناول هذه الكتابات بالتقييم أو النقد، في محاولة خفية لطمسها، وطمس الحالة التي صدرت عنها، أو يحكم عليها حسب قياسات من خارجها. وفي الحالتين هو لا يرى وقد لا يريد أن يرى النار في هذه الكتابات. ففي هذه الكتابات أيام البؤس، بؤس العمر، بؤس الأمة، وهي ليست صرخة أو غصّة، أو آهة، بل هي أدب وإبداع تسكنه النار. وانكتب بالنار. ورحل رجالها بلهيب النار إلى النار.

وأنا أقرأ صفية كتو، وأعدها شيخ الكتاب الهامشيين في التجربة الإبداعية الجزائرية. وقد عثر عليها ، وطبع ديوانها وترجم لبني جلدتها؛ قد عادت من وراء الموت لتسكن الذاكرة وتنسج الأحلام لجيل قائم، والأجيال القادمة التي تتكور في رحم الغيب، هي آتية لا ريب فيها. وبعيدا عن الحسابات الضيقة والأحكام المسبقة سيظهر منه من ينصف من طواهم غبار النسيان.

لك الرحمة كلها سيدتي.. لم نتعارف، لم نلتق يوما؛ فقط قادك السر إلى مسلكي وكان لي شرف ترديد اسمك مع أولادي وطلبتي، أردده كالصلاة…هل يقودني القدر يوما لأقف على موطن كاتب هامشي لأصلي في محرابه يوما؟!

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …