السبت، 16 فبراير 2019

تمنّيت لو أنني لم أكن جزائريا

حمزة بن قسمية

المتفرج اليوم في حالة الجزائر والجزائرين غير الذي هو ضمن الوضع بالتّحديد، فالتّجربة في العادة تغني عن التّعبير – كما أن عينك ميزانك – فإن الواقع المعاش ليس فقط ميزان إنما حقيقة لا غبار عليها.

لكن “ما شاء الله”، نملك من الشعارات والكلمات التحفيزية ما يغنينا عن أي حراك. فجملة “هل تريدون أن يحصل في بلادنا مثل الذي حصل في سوريا، ليبيا، العراق واليمن..” لوحدها تكفي لأن تكون نهاية ممتازة لأي مقال أو حديث يدعو إلى حياة طبيعية يستحقها كائنا ما كان في أي جلبة من جلبات هذا العالم. ويتبادر إلى ذهني حين أصغي إلى هذا النوع من العبارات التي أصبحت ماركة مسجلة باسم الحكومة الحالية.. ماذا عن الدول الأخرى؟ السويد؟ التي تعتبر بلادنا “خير منها” أو ألمانيا التي ربحناها في 1982، ربما فرنسا “ألي راحت فيها وما بقاتش فيها معيشة”، من الممكن إذن اليابان “تلك التي قال عنها يوما الوزير بوضياف أنه سيصدر لها الأدوية”.. على فكرة نسيت اسم الوزير فحين أني لم أنسى تصريحه الصادم! هل هو امتياز أن يحيوا حياة طبيعية؟

يعيش الشّعب الجزائري اليوم في مسرحية لا مثيل لها! وقلت ذات يوم في قرارة نفسي أننا نعيش بعشوائية بحتة ومن يحكمنا لا يملك من المؤهلات ما يكفي ليقودنا إلى بر الآمان، وقلت أيضا أنه بإمكاننا أن نكون قوة إقليمية فنحن في بلد بحجم قارة كما أن الجزائر من أجمل بلدان العالم، ولا أخفي أيضا أني قلت لو أن بلدنا نال بعض الإهتمام سيكون من أروع ما يكون، فنحن نملك ما يخولنا لنكون قطبا اقتصاديا وسياحيا بكل بساطة ويمكننا أيضا أن نتطوّر ونصبح من القادة الذين يحكمون العالم كما كنا في الماضي. لكني لم أكن أعلم أن بعض كتب التّاريخ تكذب.

بالمناسبة، أنا أسحبُ كلّ كلامي السّابق والتّالي.

لقد أفقت يوما وعرفت أن الجزائر ليست أفضل بلد في العالم، بل هناك ما هو أجمل منها، وأروع منها، واكتشفت أننا لا نعيش في مسرحية، بل نحن جزء من هذه المسرحية، نتقلّد أدوارا مختلفة فيها، وزّعها علينا أولئك الذين يحكموننا، ويمكننا أن نطلق عليهم في هذه الحالة مصطلح “الأخ الأكبر”، كما كتب جورج أورويل. في محاولة منا للتملّص من أي تهمة مباشرة. وأكثر ما أدهشني أني وجدت أن هذا الأخ الأكبر “ما شاء الله عليه” شديد الإطلاع، فحين أن عينه تراقبنا، فقد اهتدى بقدرة قادر إلى المؤمن الصادق وتبنى أفكار صاحبه “إيريك فورم” حين تحدث عن الحركات الجماهيرية، ودرس بجد رغبة الجمهور في التغيير والحصول على بدائل، وعرف دور المنبوذين وتأثيرهم الكبير في المشهد السياسي، كما أنه لم يتوان أيضا عن دراسة كلّ من الأنانين وأولئك أصحاب الطموح الذين يواجهون فرصا غير محدودة، وفي خضم كل هذا لم ينس أن يراجع بدقة فصل المتطرفين “ما شاء الله عليهم”، أولئك الذين وجد فيهم تطابقا لعبارة “نمسحو فيهم الموس”.

تمهلت للحظة وقلت ربما هذا الأخ الأكبر قد حالفه الحظّ مرة وطالع هذا الأمر لمرة وحدة ولن يكرر ذلك، لكنني أسلمت وجهي لله رب العالمين حين وجدت أفكار كل من سلافوي جيجك المستمدة من كتابه المعنون بـ: العنف، تأملات في وجوهه الستة، حيث تطرق إلى أهمية الإعلام في توجيه الرأي العام وتأثيره الكبير على ردود أفعال الناس من خلال التحكم فيهم وذلك على سبيل المثال حشو الأخبار التي تثير هلع المواطن فتجعله يدير وجهه إلى التوافه على حساب المهم، وتضخيم بعض الأمور الأخرى وجعلها في شريط العاجل يجعل الناس في سكرة الموت هائمون. بالإضافة إلى ميكافيللي صاحب “الأمير” الذي شرح بالتفصيل كيف يمكن للراعي أن يقود رعيته، وكيف يمكن له على سبيل المثال أن يدرج موضوع الدين – حتى لو لم يكن مؤمنا به – في خطاباته ليثير به عاطفة شعبه ويلعب على وتر الإعتقاد الذي هو عصب كل قطيع. كان بودي أن أتكلّم عن زيجمونت باومان الذي قام بتشريح بنية الإنسان النفسية وأشير إلى الأخ الأكبر وكيف استنبط بعض الأفكار وأسقطها على واقعنا المعاش لكن الخوف الذي تكلم عنه هذا الأخير هو ما منعني.

العيش في الجزائر يشبه إلى حد كبير العيش في تمثيلية لا نهاية لها، فالجميع يعلم ما يحصل ويعرف السيناريوهات التي تجري، كما يعرف إلى حد كبير الكواليس التي تحصل خلف الستائر، لكن لا أحد يتكلّم ولا أحد يحرك ساكنا. وبصراحة وبعيدا عن كل تملق، يكفي فقط أن تصغي إلى نشرة الثامنة مساءً على القناة التلفزيونية الرسمية لتعرف عمق الحضيض الذي بلغناه، لا شيء يتغير، ولن يتغير شيء على الإطلاق، فكما نحن على دراية بما يحصل هم على دراية بأننا على علم ولكن الجميع منكب على وجهه.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنفلونزا الرقية وفيروس الطب النفسي !

أسماء جزائري ليس الأمر غريباً على الأحداث الرّجعية التي يقضي الناس جل حياتهم في إنكار …

رسالة أخيرة من هواري المنار

رسالة أخيرة من هواري المنار

اطمئنوا، أنتم يا ملائكة الأرض.. سوف أدخل النّار! قبل رحيلي عن عالمكم المنافق، قلتها والسّعادة …