الإثنين، 22 أبريل 2019

الحرڨة بوصفها ظاهرة احتجاج

العربي رمضاني

“يأكلني الحوت وما يكُلنيش الدود”.. “روما ولا أنتوما “.. “يونامار، يونامار، ملينا من هذا الـpouvoir”.. هذه مجموعة بسيطة من صيحات تصدح بها حناجر الشّباب الجزائري في ملاعب كرة القدم، وعلى ظهر القوارب المطاطية المتهالكة، المتّجهة إلى أوروبا، كتعبير منها عن خيبة أمل كبيرة من البؤس الشّامل الذي وجدوا أنفسهم في مواجهته، دون أن تتاح لهم فرصة التّعبير عن تطلعاتهم وآمالهم.

خيبة أولئك الشّباب تجلّت في مدرجات الملاعب وفي مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يعكس انعدام آليات التواصل العمودي بين القاعدة والقمة، تلك القمة التي لا تملك بصيرة سياسية، وتعيش في عزلة قاتلة عن الشعب الذي يشكل الشباب أغلبيته الساحقة.

أرقام المنظمات الدولية والحقوقية عن عدد المهاجرين غير الشّرعيين مفزعة جدا، حتى تلك الصادرة عن جهات رسمية، وهي أرقام ترتفع يومياً رغم رداءة الطقس والتضييق على بواخر الإنقاذ الأوروبية خاصة من طرف الحكومة الإيطالية.. هناك نزوع مخيف نحو الهروب حتى وإن كانت فرص النّجاة ضئيلة ومحفوفة بالمخاطر التي لا يبالي بها من اكتظت روحه بالخيبات وبات يرى في الوطن سجنا واسعا لا يتوافر على أدنى شروط الحياة الآدمية الكريمة.

في ندوة عن التّصدي لظاهرة الحرڨة، انتظمت أمس بنادي الصنوبر، كان تدخل وزير الداخلية نور الدين بدوي مثيراً للشّفقة ويعكس النّظرة القاصرة التي تتعامل بها السّلطة مع الحرڨة. حديثه عن رصد عشرات الحسابات الفايسبوكية التي تشجّع على الهجرة غير الشرعية وملاحقة أصحابها يبعث على السخرية ويفضح الارتباك الكبير والعبث الذي يطبع أداء ما يسمى مؤسسات الدولة تجاه ظاهرة أحد أبرز أسبابها هذا النّظام ووزرائه وإعلامه وشيوخه.

عندما يتحدّث السيد بدوي عن أغاني تحريضية ومافيات هجرة وبقية الهوس المؤامراتي ندرك جيدا لماذا اختار هؤلاء الشباب المغامرة بحياتهم هربا من سلطة شاخت، كل ما أفلحت فيه هو تدوير الفشل وتعميم الفساد وزرع الخيبة..

لن تتوقّف الحرڨة مهما اجتهد بدوي ونظامه في تقديم مغريات كاذبة ووعود للشّباب من قبيل عمل وسكن وقروض.. الحياة كرامة وحرية وإثبات للذّات ومشاركة في الفعل الحضاري وتحقيق حدّ أدنى من الاستقرار النفسي والمادي قبل أن تكون رغيف خبز مغمس بالذل وسكن ووظيفة تمن بها السلطة على شعبها ولا تتحقق إلا لحسابات سياسية مناسباتية رغم أنها حق طبيعي تكفله كل دساتير الأمم التي تحترم نفسها وشعوبها..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

مرزاق علواش: بفضل الحراك، استعاد الجزائريون الساحة العامة

المخرج مرزاق علواش، أحد المخرجين الجزائريين، الذين تناولوا في أفلامهم، وبواقعية شديدة، معاناة الشباب الجزائري، …

لا مقدّس غير حرية الشعب

لا مقدّس غير حرية الشعب

تتوالى الأحداث على نسق جنوني بالجزائر؛ وهذا غير مستغرب لما يميّز الزّمن الرّاهن من تسارع …