الإثنين، 24 يونيو 2019

أنفلونزا الرقية وفيروس الطب النفسي !

أسماء جزائري

ليس الأمر غريباً على الأحداث الرّجعية التي يقضي الناس جل حياتهم في إنكار عدم وجودها ، فالمؤمنون بالنهار مثلاً سيعتبرون الليل مسألة افتراضية، وعليه ينامون كلّ أوقاته، والذين يتحججون بالدّعاء لقضاء حاجياتهم، سيجدون أن العمل للحُصول عليها ترف يمكن الاستغناء عنه.

لقد تخلى إنساننا تماما عن العلم في شقّه النفسي واستبدله كلياً بالرقية، في محاولة تامة له لتصعيد الجانب المأساوي المهترئ لنظرتنا المحدودة للعلم كلياً، وللطب النفسي خصوصاً، فالطبيب النفسي عندنا يمكنه الذهاب هو أيضا لراقٍ، في حالة نفسانيّة تستدعي للاستعجاب !! بل ولطبيب نفسي خارق ، معترفاً بعجزه العلمي التام أمام مسألة أدت بها الوراثة المجتمعية إلى النشاط بل إلى الإيمان المطلق بمجرياتها، وقد حدث وتوفيت دكتورة في عيادة شيخ للرقية بالجزائر، وهذا ما يؤكد صلابة أرضيّة ممارسة تطاوس الجهل.

يقضي الكثير من الناس في مجتمعنا المسند رأسه للخرافة، محاولين برهنة الأشياء اللامرئية ” كالجن ” مثلاً ، لا لأنهم في حاجة لمن يؤنسهم في عالم آخر، بل لحاجتهم الدائمة لبديل عنهم ، لحمّال إخفاقاتهم ، ولأسباب غير تلك الحقيقية للصراخ والوقوع بأريحيّة للتّخلص من قوّة الكتمان وخرافة الأقوياء الذّين لا يسقطون ، والدّافع دائما هو الآخر، فحتّى في ضعفنا نحن مطالبون بالتبرير لماذا نضعف بهذه الطريقة الطبيعية، ومن ثمّة فالانفجار تحت راية الرقية، هو محاولة تغليف أمور منطقية ودنيوية بسببية ميتافيزيقية، يكون فيها الإنسان لا حول له ولا قوة بالوضع الذّي فيه، كما تفعل الكثير من الفتيات حينما تلجأ للرد على سؤال الزواج بسببية أنهم سحروها، ويلجأ الرّجل لعجزه الجنسي إلى أنّهم قاموا بربطه أو أنّ جنيّة تزوجت به، كأنّهم يريدون فقط إخبار من حولهم أن ما يحدث من تعب نفسيّ فيهم أو فشل حياتيّ، مرده أن كائنا لا مرئياً يعبثُ بحياتهم ، بل يصل الحد إلى الإيمان بأنه هو الواحد والوحيد الذي يعرقل تقدمهم، هكذا دون ريبة يحل محل العجز ابتكار الخرافة، وهذا في حد ذاته مرض آخر قد نسميه التهرب من مسؤولياتنا، أمام أنفسنا والهروب إلى الأمام، وواقعنا أيضا، فما يحرجنا نستبدله فوراً بما يعفينا عن ذلك الشعور في موقف يؤكد أن الإنسان فينا مسحوق، فبينما العالم يحاول بالعلم إثبات أن النفس تحتاج لجرعات من الأدوية، يطل عليهم شيوخنا في محاولة منهم لحماية وظائفهم من الانقراض.

في ظل كوابيس الرقية، يؤكد الرقاة ما يريده مرضاهم ، يقنع الكثير من الناس أن جنيا ما استوطن داخله، وبما أنه لا يستطيع البرهنة عليه، فإنّه يتعب نفسية مريضه أكثر بالرواية عنه، إن آمن الآخر بما يقوله وعلى الأغلب هو جاهز مسبقاً للإيمان به، فإنه يتشبع بأعراضه، وهذه حقيقة علميّة يثبتها ” الحمل الكاذب”، و من ثمّة فإنّ الرقية حمل كاذب لا يستطيع مجتمعنا الاستفاقة من أعراضه، وقد أتفق مع ما زعمه سابقا ” توني روبنز” في فكرته عن ” التفكير الايجابي”، لكن الفرق هنا هو أن الإنسان يستطيع أيضاً السير على الخرافة دون أن يحرقه العقل، في حالة استعجابيّة تتوافق مع أطروحة ” العقل فوق المادة “، فإننا كثيرا ما رأينا جنيا يتكلم على لسان مرضى الرقية، وآخرين كثر رأيناهم يؤكدون بتعبهم النرجسي، خروجه من أصابع أقدامهم أو أياديهم، بل يروح الأغلبية إلى محادثته في حوار مكرر : كم عمرك ، أي جنسية لك، و أي لغة تتحدث، ما جنسك، ولماذا دخلت هذا الجسد، وهل أنتَ مسلم، ثم تعقد ندوات دولية في هذا الشأن، والإنجاز الكبير هو إدخال الجنيّ في الإسلام ! بل و يروّج الكثير من الرقاة، أن مرضاً كالسرطان هو عبارة عن تراكم للسحر؛ وعليه فالرقية من أحد أهم الطرق الناجعة للوقاية منه ! و بهذا نؤكد أن الطب ممسوس بالرقية، وعلينا حالاً رقيته علمياً من الرقية، لاستعادة احترامنا لعقولنا. 

لا أحد اليوم يستطيع إنكار حقيقة جليّة، مفادها أن الرقاة سرقوا العلم ودسّوه في جيوبهم، لا لأنهم لصوص محترفين، و لا لأننا ضحيّة ذواتنا العاجزة عن الانتصار للعلم ومنه للعقل، بل لأنّ كمًّا هائلاً من الانفصام الكوني في كينونة الإنسان، جاهز دائماً للظهور كإشارة خطر على يمين وشمال المجتمع ، وهكذا تراجع الطب النفسي والأطباء أنفسهم إلى الهامش وحلت لعنة الإدانة، فالشعوب التي تعتبر دخول متعب نفسيّ إلى عيادة نفسية مصاباً بالجنون، هي بهذا تفضل جريمة الجهل على الوقوع في جريمة الأخلاق على حد مفهومها، فالسّلم هنا يقيس ما ُتظهر لا ما تُبطن، وبهذا تفوّق الطّب الجسدي بوصفاته، وتراجع الطّب النّفسي لأنّه علم البواطن؛ مفسحاً المجال للبدائل المؤكدة بالتّقادم، في حين للمريض أيضاً الحق في التعّبير عن ألمه الدّاخلي، وأخذ جرعاته اللازمة، مثله مثل الجسد تماما حين يعاني من ألم جسدي، ويتخذ التدابير اللازمة من العلم للشفاء منه، لكن العالم جلّه يعاني قصوراً من هذه الناحية تحديدا .

لا أحد اليوم في مستطاعه توقيف هذه المهازل ، بكل بساطة لأنها تخطت كونها عارض لتصبح تجارية تستمد ثبوتها من الدين و جودتها على حد القراءة المحدودة ، فلولا الجن و السحر لتوقفت عيادات الرقية، ولتوقف تجار بيع المياه المعدنية، و منه لانخفضت منتوجية مصانع الماء ، و بياعي الأعشاب و العطارين ، ولا زادت مشاهدات بعض قنوات الصّرف، لولا الجن لأغلق الكثير من الناس أبواب أرزاقهم، و لهذا يجب أن يستمر الكل في الإيمان به، ما دام يكفي ذكره في القرآن فلا أحد يمكنه إنكار هذا ، رغم أن الدين ذاته لم يخبرنا أن جنيا واحدا في مقدرته أن يسكن جسد إنسي، ولا أن يتحدث الهندية مثلا أو الإنجليزية ، لأن هذا نتاج محدودية المعرفة ، لنقل مطابقة وإسقاط المعلوم الذي نعيشه على المجهول الذي نحاول البرهنة عليه بأدوات تقليدية .

في الأخير لا ننسى أنه حدث تحوّل عظيم في النموذج، عندما تغيرت نظرتنا إلى العالم من الاعتقاد بأن الأرض هي مركز الكون، إلى القول بأن الأرض تدور حول الشمس، وحصل تحوّل آخر عندما اكتشف إنشتاين العلاقة بين الزمان و المكان و بين المادة والطاقة، وكل هذه التحوّلات أخذت وقتا طويلاً، لكي تنفذ إلى المجتمع العلمي ووقتا أطول لكي تصبح مقبولة لدى الجمهور، ولن يستغرق الأمر زمنا طويلا كي تتفسخ أوهام الميتافيزيقيا على صخرة المعرفة الصلبة، وفي انتظار تحقق ذلك علينا أن نستمر في إحصاء ضحايا اليقين الزائف، والقتل باسم الوهم الكبير .

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …