السبت، 16 فبراير 2019

ما المقصود بعبارة كاتب جزائري؟

جلال الدّين سماعن

تريستان لوبيرلييه
تريستان لوبيرلييه

صدر، حديثا، كتاب “الجزائر، الكُّتاب إبان العشرية السوداء”، للباحث الفرنسي تريستان لوبيرلييه. الكتاب هو في الأصل مذكرة دكتوراه كان قد أعدّها الباحث تحت إشراف واحدة من كبار المهتمين بعلم اجتماع الأدب، جيزال سابيرو (نوقشت في ديسمبر 2015). نالت هذه الأطروحة جائزة أفضل دكتوراه تهتمّ بالشّرق الأوسط والعالم العربي. الإشكالية التي يطرحها هذا الكتاب “كلاسيكية” بحسب تعبير صاحبه: هو يسعى لأن يفهم ما بمقدور السياسة أن تفعله بالأدب، وما في استطاعة هذا الأخير أن يصنعه بالسياسة. “إلى أي مدى غيّرت الأزمة [العشرية السوداء] علاقات القوّة والمراتب داخل الساحة الأدبية؟”

حرص لوبيرلييه في مقدمة كتابه على سرد بعض الوقائع السياسية المتعلّقة بالجزائر وهذا ليكون في وسع القارئ غير المطلّع بأن تكون له فكرة ولو بسيطة عن الجوّ التّاريخي الذي تطوّر فيه هذا الأدب الجزائري خاصة بعد الاستقلال (1962) بعد أن شهد ظهوره الأول منذ عشرينيات القرن العشرين. تطرّق الباحث أيضا إلى وقفات من تاريخ الجزائر لعلمه بأن الفترة محل الدراسة (سنوات التسعينيات) مرتبطة بقوة مع هذه الأحداث التي سبقتها وبخاصة أحداث أكتوبر 1988 وما أعقبها من فتح للسّاحة السياسية ولتطوّر للحريات في البلد، وهي مرتبطة أيضا بسنة 2003 التي شهدت “سنة الجزائر في فرنسا” باعتباره حدثا أعاد الجزائر إلى المحافل الثقافية العالمية. “هذين التاريخين ميّزهما أيضا وفاة علّمين بارزين من أعلام التكوين الأدبي الجزائري الحديث، كاتب ياسين ومولود معمري سنة 1989، محمد ديب سنة 2003. هذين التاريخين يحيطان مرحلة الأزمة الشديدة المتمثلة في الحرب الأهلية، ويسمحان بملاحظة مدى تغيّر الساحة الأدبية بسبب هذه الحرب”.

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

السّؤال الأول الذي طرحه لوبيرلييه هو سؤال تعوّدنا كثيرا سماعه وتشعّبت أجوبته موّلدة صراعات لا حصر لها: ما المقصود بعبارة “كاتب جزائري”؟ بالفعل، تعريف مفهوم “كاتب جزائري” ليس بالبساطة التي يبدو عليها من الوهلة الأولى. صعوبة الإجابة عن السؤال مردّها أمور كثيرة وهي: هل يجب أن نأخذ بالحسبان الأرض أم الثقافة؟ هل يجب على الكاتب أن يكون قد وُلد بالجزائر، عاش فيها وله أجداد بها؟ أسئلة صعبة خاصة وأن الأمر يتعلق ببلد تعرض لاستعمار سنة 1830 جلب له لغة وتصورا أدبيا لم يكن يعرفه من ذي قبل.

ينخرط الباحث، بعد ذلك، في ملخص موجز لبعض خصائص الأدب الجزائري بلغاته الثلاثة: الأمازيغية، العربية والفرنسية، ليصل في الختام إلى تبني تعريف لمفهوم الكاتب الجزائري وهو تعريف «يرتكز على التوافق المحلّي الأكثر انتشارا: هو كاتب (باستثناء الشعراء الذين يعتمدون أساسا على التعبير الشفوي) مولود في الجزائر، باستثناء الأوربيين».

يمكن تقسيم “الأجيال الأدبية” لهؤلاء الكتّاب باللغة الفرنسية إلى: جيل 1952، جيل السبعينيات، جيل التنوير (الثمانينيات) وجيل الأدب الاستعجالي (التسعينيات). أما كتّاب اللغة العربية فقد استعان لوبيرلييه بتصنيف إيزابيل وارنفالز والمتمثل في: جيل نوفمبر، جيل الاستقلال وأخيرا جيل أكتوبر 1988.

يتأسف الباحث لغياب دراسات أدبية تشمل في عمل واحد مقارنات مباشرة بين ما يكتبه الجزائريون بالفرنسية والعربية وحتى الأمازيغية. فالغالبية الكبيرة من الدراسات تهتم بكل أدب على حدا. لهذا جاء كتابه هذا ليحاول تعويض هذا النّقص الحاصل وذلك بالتطرّق ودراسة أعمال جزائرية مكتوبة بالفرنسية والعربية. بالمقابل، يرى بأن البعد “العابر للأوطان” (Transnational) للحقل الأدبي الجزائري يُعد اليوم «رهانا كبيرا سواء في الدراسات الأدبية أو العلوم الاجتماعية.»

يُتبع

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أن تكون كاتباً جزائرياً سنوات التّسعينيات

جلال الدّين سماعن يبيّن تريستان لوبيرلييه في مقدمة كتابه “الجزائر، كتّاب في العشرية السّوداء” بأنه …

سعداء وسط النسيان، وقد رحلوا

د. عبد الوهاب بوشليحة وأنا أقرأ ديوان “صديقتي القيثارة” للمرحومة صافية كتو، وقد ترجمه الأستاذ …