الإثنين، 21 يناير 2019

“نفحة” تستقبل عامها الخامس، والمسيرة متواصلة

هكذا تستقبل «نفحة»، عامها الخامس.

في مثل هذا اليوم من سنة 2015 ، تمّ الإعلان عن إطلاق مجلة ثقافية، الكترونية، جزائرية، جديدة ومختلفة؛ فكـّرنا أن يقترن موعد صدورها، مع تاريخ ميلاد شهيد القلم الطّاهر جاووت (11 جانفي 1954)، لم نختر تاريخ اغتياله، كما دأبت العادة عندنا، بل وقع اختيارنا على تاريخ ميلاده؛ إيماناً منّا، بأنّ الطاهر جاووت لم يمت، بل يعيش بيننا بأعماله الأدبية العميقة، بمقالاته الجريئة، وبمواقفه الشجاعة؛ حاولت “نفحة” اقتفاء أثر نضال صادق وحقيقي، سطره صاحب المقولة الشهيرة : “إذا تكلمت تموت وإذا سكتّ تموت : إذن تكلّم ومُت”؛  في الأدب والثقافة والحياة، كادت للأسف أن تُطمس معالمه، بفعل فاعل، وسط هذا الابتذال الثقافي والإعلامي، الذي طال الأشياء جميعها، أو يكاد.

الأمل الذي أطلقه جاووت، ذات غليان سياسي وثقافي، وهو يؤسّس “القطائع” Ruptures ، صحيفة وموقفاً، وسط تردّد الجزائريين خلف ضباب عدم اتضاح الرؤية، في أن يكونوا أو لا يكونوا. لم يصمت، لم يُهادن، ولم يرضخ للوضع القائم، في اختياره المكان الصحيح للتموقع، كمثقف عضوي، بعيدا عن المساومة، والمناورات، وبعيدا عن الأضواء الخادعة، واللهث وراء المكاسب الآنية.

ثمّ كان اختيارنا “نفحة” كعنوان، وهي كلمة مٌقتبسة من عمق العاميّة الجزائريّة؛ تنطوي على معان ودلالات عميقة، من شأنها أن تعكس روح هذا الفضاء، الذي يحاول مناقشة الرّاهن الجزائري بهدوء الخاطر، مع إفساح المجال للآراء المختلفة، المتناقضة فيما بينها أحيانًا، والقارئ وحده من يمتلك حقّ الحكم عليها.
هكذا، ستحاول “نفحة”، أن يندرج مشروعها، ضمن سياق ما يُسمّى “الإعلام الجديد”، الذي يتميّز بالمرونة، والتريّث في إطلاق الأحكام الجاهزة، التّنوع، والاقتراب من القارئ، بشرائحه المختلفة؛ ملتزمة في خطّها التّحريري، بالحسّ المهني؛ منخرطة في حركية الإعلام الجديد، كما هو متعارف عليه في المشهد  الإعلامي المعاصر.

«نفحة» تدرك جيّدا، أن الطّريق إلى الوعي محفوف بالأشواك، وأن الاختلاف عسير الهضم، وعصيّ على الإدراك؛ وأن الدّاء استحكم أو يكاد في الجسم الجزائري الهشّ. لم يكن مفاجئاً – والأمر كذلك – أن ترتفع أصوات مُعادية، تستخدم كلّ أسلحة التّحريض، وجميع أنواع الشّتم، بعد أن شعرت أن شيئاً ما، بدأ يزعج، بدأ يعكر صفو رتابتهم، يُحاول تبديد عتمات تفكيرهم، ويحرص على إعادة ترتيب الأشياء من جديد. ولم يكن مفاجئاً، أيضا، أن ترتفع أصوات مُشجّعة، مدعمة ومساندة، تساهم بكتاباتها، بمشاركاتها، بتفاعلها؛ أصوات تزداد كل يوم، ويزداد معها الأمل، ولعله الحافز الحقيقي، الذي يدفعنا نحو مواصلة المسيرة.

هكذا مثلاً، فتحت «نفحة» ملف العنصرية في الجزائر، وكتبت أن الجزائري قد لا يعرف، أو لا يريدونه أن يعرف، أنه يُمارس العنصرية و”يتنكّر لها”. عنصرية أفرزتها أوهام الذّات المنتفخة، وجرعة الشوفينية الزّائدة عن اللزوم.

فتحت نقاشاً عن بعض عاداتنا وتقاليدنا، التي تجاوزها الزّمن، عن غشاء البكارة، وعن التحرّش الجنسي، مظاهره وأسبابه، عن الحرمان الجنسي، عن سطوة القبيلة، وعن الفهم الخاطئ للدّين. وأنه آن الأوان لفتح نقاش واسع عن الجنس، كثقافة وكنمط حياة، وأنه آن للمرأة أن تتبوّأ المنزلة التي تليق بها، على قدم المساواة مع الرجل.

نشرت «نفحة» مقالات عديدة، عن إشكالية الهوية في الجزائر، يحذوها الأمل في أن يخرج الجزائريون من دائرة التقوقـُع على الذّات، ومن شوفينية مغلـّفة بخطاب وطني، وأن تحلق بهم نحو ضفّة الإنسانية. حاولت أن تـذكّرهم بأن هُوّيتَهم ليست أُحادية، بل متعدّدة ومتنوّعة، ليست إسلامية، عربية وأمازيغية فحسب، بل أفريقية أيضا، ومتوسطيّة كذلك.

«نفحة» وقفت، وستقف دائما، إلى جانب الكُتّاب والفنّانين المهمّشين، ماضيا وحاضرًا، نفضت عنهم غبار النسيان، وأفردت لهم حيّزًا من الاهتمام. وهكذا تعرّف القارئ لأوّل مرة مثلا، عن كتّاب وفنانين جزائريين، ساهموا في خدمة الثقافة الجزائرية وإثرائها، لكنهم تعرّضوا للتهميش، بسبب توجّس طال أصولهم، أو جناية الهامش والجغرافيا، في بلد بحجم قارة؛ وسرعان ما انتقلت عدوى “الفوبيا”، نحو أسماء أجنبية، لم يسلم منهم حتى أولئك الذين حاربوا الاستعمار، ووقفوا مساندين الثورة الجزائرية.

وستبلغ موجة العداء ذروتها، عندما تُقدم مصالح بلدية لمدينة كبرى، بنزع لافتة الشّهيد فرنان إيفتون، وتضع بدلها لافتة شهيد آخر، وكأنهم سعداء “بإنجازهم” في التخلص من اسم أجنبي، ونسوا أن إيفتون شهيد، هو أيضا، نفذ فيه الاستعمار حكم الإعدام بالمقصلة. وذلك قبل أن تعيد ذات المصالح، اللافتة إلى مكانها، بعد حملة مندّدة، على شبكة التواصل الاجتماعي، شاركت في إطلاقها “نفحة”.

ننطلق، كما أكدنا في أول تواصل مع القارئ، من قناعة أن النبأ يمكن مقاربته من أكثر من زاوية، وأنّ وجهات النّظر حول قضيّة واحدة تتعدّد، ومن المُفيد الإطّلاع عليها كلّها قبل التّعليق؛ نحن لا نكتفي بنقل “ما يحدث”، بل، أيضا، بتحليل الأسباب والعوامل التي تصنع “الحدث”. نعتقد أن الإعلام ليس مهمّة الصّحافي وحده، بل هي مهمّة يشاركه فيها المواطن، والحقيقة هي، دائما، ما بُني على أوسع قاعدة ممكنة من المعطيات.

«نفحة» وهي تودّع عامها الرابع، وتستقبل عامها الخامس؛ تعد قرّاءها بمساحات أكبر للاختلاف، للصراحة وللحقيقة؛ ستكشف، كما عوّدت القارئ، الواقع كما هو، لا كما يريدونه أن يكون؛ وستقول المسكوت عنه، وتتيح الفرصة للصّوت المهمّش، والاستمرار على نفس النهج، في التطوّر والتجديد.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

المرأة باعتبارها ثقب إبرة

عنفوان فؤاد* كثيراً ما سمعنا عن انتفاضة المرأة، سواء هنا في بلادنا العربية أو في …

كارل ماركس

احميدة عياشي يكتب: كيف نقرأ ماركس اليوم؟!

الماركسية توفيّت عشية انتصار البولشيفية، وتحوّلها إلى عقيدة بيروقراطية مشوّهة بداء اسمه الستالينية. ولم يكن …