الإثنين، 27 مايو 2019

هواري المنار الذي لم يمت

سعيد خطيبي

مات هواري المنار، وتقدّمنا خطوة في كراهية بعضنا بعضاً. ولم يكن الأمر مُفاجئاً، فقد تعوّد الجزائري، منذ سنين، أن يُمارس نزواته، في الخفاء، ويتظاهر بالطّهرانية، في العلن.

هذا الجزائري، الذي يقدّس محمد (ص) ويتمنّى العيش في بلاد الكاثوليك، هو نفسه الذي يرقص، في الصّيف وفي الأعراس، على صوت المنار، وينتظر موته، كي يتبرأ منه، ويظهر، أمام الآخرين، في صورة مُواطن صالح، ولا يشكّ أحد في التزامه بالدّين، دون أن يعلم أن الإسلام نفسه لا يرى حرجاً في المثلية الجنسية، ولم ترد في القرآن آية واحدة ضدّها.

بحسب تفسير الطّبري فإن قوم لوط (أهل سدوم)، كانوا يرمون عابر السّبيل بالحجارة، فأيّهم أصاب كان أولى به ويأخذون ماله وينكحونه ويغرّمونه ثلاثة دراهم، وكان لهم قاضٍ يقضي بذلك، وبالتّالي فإن عقاب قوم لوط – كما ورد في القرآن – كان عقاباً على الإكراه والاغتصاب وقطع الطّريق والسّلب ولم يكن عقاباً على المثلية فقط.

فهل كان هواري المنار يفعل كل تلك المنكرات، كي يخرج علينا أئمة، آخر زمن، وينصحونه بالتّوبة؟ ماذا فعل كي يتوب؟ ألم يكن سبباً في إسعاد ناس وإرقاصهم! لقد لجموا – فيما مضى – صوت الشّاب جلول، وضحكوا عليه، ويريدون تكرار الأمر ذلك مع مغنين آخرين.

الغريب في الجزائر أن التّشدّد الدّيني، يظهر فقط في العلاقة المثلية، بين رجلين، بينما في حالة علاقة بين امرأتين، فهناك تسامح نسبي، كما تشير إلى ذلك كريمة لازالي، في كتابها “الصّدمة الكولونيالية”(منشورات كوكو، الجزائر 2018). وذلك لأن الدّين كان واضحاً بأن لا حدّ عليهن، ووضع لهما عقوبة مخفّفة، لا تتجاوز الحبس في البيت. ويُشير شهاب الدّين التّيفاشي، في كتابه “نزهة الألباب، فيما لا يوجد في كتاب”، أن السّحاق كان معروفاً، في العصور الإسلامية الأولى، وقبلها، ويُقال إن هند بنت النّعمان بن المنذر، أحبّت زرقاء اليمامة وساحقتها، في قصور المناذرة، قبل الإسلام، محرزة قصب السّبق في هذا المضمار.

لو أن الجزائري، الذي يستثمر في خزينة الكراهية، قرّر أن يقرأ – قليلاً – تاريخ الدّين، لتعلّم أن المثلية قضية حرية، وأن التّعدي على الحريّات هو الفاحشة. ويكفيه أن يُطالع شيئاً من “ألف ليلة وليلة” أو من “مقامات بديع الزّمن المهذاني”(التي كانت تُدرّس للأطفال في المدرسة الابتدائية) أو شعر بشار بن برد أو صفيّ الدّين الحليّ، كي يفقه تاريخه ودينه، وينصرف لما ينفعه في الدّنيا والآخرة.

هواري المنار لم يغن سوى الرّاي، ولم يكن يستطيع أن يغني لوناً فنياً آخر، لسبب بسيط أن الرّاي موسيقى متسامحة، تقبل المثلي ونقيضه، ولم يكن وحده، فقبله جاء عبدو، وعماد، ولا سيما مادونا! من لا يزال يذكر مادونا؟ للمُصادفة، هو أول مغنّ ساعد هواري على إصدار ألبومه الأول، وظهر معه في الألبوم نفسه. مادونا مات عام 2007، وهواري التحق به أمس، مات صوتاً، لكن دفاعه عن التّنوع، وتقبّل المثلية، في الجزائر، كان معركته الصّامتة، خاضها في العتمة، وتظلّ مستمرة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

«سنواتنا الحمراء» أو عندما تتنكّر الجزائر لأصدقاء الثورة

كانت ثورة الجزائر (1954 – 1962) سبباً في تشكل نواة شيوعية، في البلد، بدأت مع …