الجمعة، 20 سبتمبر 2019

بيار ومحمد: قصّة الأسقف وسائقه والقدر المشترك

عن دار المشرق اللبنانية، صدرت حديثا الترجمة العربية لكتاب “بيار ومحمد”، الذي كتبه باللغة الفرنسية أدريان كنديار، وهو راهب دومينيكاني، يقيم في دير القاهرة منذ العام 2012، له عدة مؤلفات باللغة الفرنسية؛ ويقع في 64 صفحة، من الحجم الصغير؛ قام بترجمة العمل، الأب صلاح أبو جودة، مدير دار المشرق اللبنانية، وصاحب عدّة كتب في الدين والسياسة وفي الفلسفة السياسيّة.

غلاف الكتاب المترجم

وضع مقدمة “بيار ومحمد”، جان بول فيسكو، أسقف وهران الحالي، الذي كتب يقول عن النّص: “يغوص في صميم، حقيقة إنسان، بيار كلافيري، وصداقته التي جمعته بمحمد، وفي وضع يتّسم بالتوتر الشديد، عاشه الرجلان، وقد نالت منهما موجة العنف التي أغرقت الجزائر بين العامين 1990 و2000”. ويضيف “يكشف هذا النصّ بصدق، عن إمكانية صداقة تغتني من الاختلاف عوضا من أن تفتقر منه”. كما يذكر أنه شاهد المسرحية التي اقتبست النص، في مهرجان افينيون، بفرنسا، سنة 2011، وقد نالت، حسب وصفه، أصداء ما كان أحد ليتوقعها، “وإلى هذا اليوم قدمت تلك المسرحية، مئات المرات، أمام جميع الناس، من مختلف الأعمار؛ في فرنسا والجزائر، وفي الكنائس والجوامع، وفي صالات العرض والمدارس، وحتى في السجون… وقد بلغ رمز علاقة الصداقة هذه في المسرحية أوجه، في حقيقة أن الممثل نفسه أدّى دور الرجلين، اللذين أصبحا وكأنهما شخص واحد بفعل سحر الصداقة”. لينهي أسقف وهران مقدمته قائلا :”في المسرحية التي وُلدت من نص الأخ أدريان، يُظهر المشهد الأخير، الممثل وهو يكسّر الخبز ويشرب من الكأس، ليرمز إلى الذبيحة، بل إلى الحياة، التي هي أقوى من الموت الذي يطوف البلاد، وفي هذه اللحظة بالتحديد، من الصعب أن نعرف هل هو بيار أم محمد من يشرب من الكأس”.

غلاف الكتاب الأصلي

في 1 أوت 1996، توجّه محمّد بوشيخي، سائق بيار كلافيري أسقف وهران؛ وهو شاب جزائري يبلغ من العمر 21 سنة، نحو مطار مدينة وهران، ليقلّ الأسقف في سيارته اتجاه الكنيسة. هكذا قصد الكورنيش المطلّ على المدينة، بانتظار وصول الطّائرة؛ “قالوا لي إنّ طائرة الجزائر العاصمة، ستتأخر بضع ساعات، عن موعد وصولها، فقصدت هذا الكورنيش لأنتظر”؛ هذا الكورنيش في وهران يروق محمد، مكانه المفضل “يمكنني أن أمضي فيه ساعات وأنا أنظر إلى المدينة، إلى وهران المشرقة، والى المرفأ والبحر، وعندما أكون حزينا أقصد هذا المكان لأبكي”.  سيتذكّر محمد الوقت الذي قضاه رفقة بيار:  سعادته وفخره بأن يكون سائقه الخاص، وأحاديثه معه، والصداقة التي جمعتهما؛ ولكن أيضًا هواجسه ومخاوفه، لأنّ محمد، كان يعلم علم اليقين بالخطر المحدق ببيار كلافيري، وبه أيضا، بعد أن طال التهديد بالقتل رجال الدين المسيحيين، فقد مضت أشهر قليلة فقط، على اختطاف الرهبان السبعة واغتيالهم ببشاعة في تبحرين.

بيار كلافيري و محمد بوشيخي

في اليوم نفسه، أي 1 أوت 1996، سيتعرض بيار كلافيري رفقة سائقه محمّد بوشيخي، لعملية إرهابية بقنبلة كانت تستهدف أسقف وهران، ستودي بحياتهما.

“بيار ومحّمد” نص كرّم صداقة إنسانية عميقة، تتّسم بالنبل والوفاء والشهامة؛ جمعت بين مسيحي ومسلم، رغم اختلافهما في الدين والثقافة والسن. وقد حرص صاحب النص، على المساواة بينهما داخل المساحة السردية الذي سيأخذها كل واحد منهما؛ فليس غريبا أن ينجح النص كمسرحية، تم عرضها أكثر من ألف مرة، جابت فرنسا والعالم، وعرضت في مصر ولبنان والجزائر، خاصة في مدينة وهران، أين حضرت العرض أم محمد وإخوته وأخواته.

في مؤتمر تم تنظيمه سنة 2016 بمدينة وهران، عن فكر بيار كلافيري؛ كما أورد أسقف وهران في مقدمة الكتاب، أنهت مشاركة جزائرية مداخلتها في المؤتمر قائلة : “تمكنوا منذ عشرين سنة، من قتل حامل الرسالة، ولكنهم لم يفلحوا في قتل رسالة إنسانية، متعددة وأخوية تنشد السلام”.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …

كونغو

فصل من كتاب “كونغو”

الخُبراء هكذا، كل أربعاء، ولمدة شهور، يلتقي كلّ من كورسيل، مالي، بوش، كاسرَوْ، سزشنيي، لامبَرمونت، …