الجمعة، 20 سبتمبر 2019

يوم صوّر المخرج كوستا غافراس فيلمه “Z” في الجزائر العاصمة

في مذكراته الصادرة حديثا عن دار لوسوي بفرنسا، تحت عنوان : “اذهب، حيث من المستحيل أن تذهب”، خصّص المخرج الفرنسي، اليوناني الأصل كوستا غافراس (1933) مخرج الفيلم الشهير “زد ” (Z)، جزءا من الكتاب، للحديث عن حيثيات وظروف تصوير الفيلم، في الجزائر العاصمة، نهاية الستينيات؛ وعن سر اختياره الجزائر العاصمة كمكان للتصوير، رغم أن أحداث الفيلم دارت في اليونان، عقب الانقلاب العسكري الذي وقع في هذا البلد الأوروبي المتوسطي؛ وقد برر ذلك كوستا غافراس، بكون العاصمة الجزائرية تشبه أثينا اليونانية، بمبانيها وأزقتها وشوارعها.

المخرج غافراس وغلاف مذكراته.

عندما عرض الفكرة على المسؤولين الجزائريين يومها، رحبوا بها جميعا؛ قال له محمد الصديق بن يحيى وكان يومها وزيرا للثقافة والإعلام: “يمكنك أن تصوّر الفيلم عندنا، سيكون التقنيون الجزائريون تحت تصرفك، وسائل الإضاءة، كلّ الترخيصات، الإقامة في الفنادق؛ ولكن لن نعطيك مالا، لأنه ليس لدينا المال” رد كوستا غافراس “سنتدبر المال”.

ثم أضاف : “في تلك الأثناء عرض المخرج حامينة سيناريو الفيلم على الرئيس هواري بومدين، في اليوم الموالي استدعاه بومدين للرئاسة: قال له متذمرا: “هكذا إذاً، تريدنا أن ننتج فيلما حول عقداء استولوا على الحكم، عن طريق انقلاب عسكري”، في تلك اللحظة أصاب حامينة الذعر، فقد كان يعرف أن بومدين اعتلى سدة الرئاسة في الجزائر، عن طريق انقلاب عسكري، وأن رتبته العسكرية عقيد؛ لكنه تفاجأ برد ايجابي من بومدين الذي قال له: “يمكنك أن تنجز الفيلم، لا علاقة لي بهؤلاء العقداء اليونانيين، نحن ثوّار”.

محمد الصديق بن يحيى

كان أول من التقى به المخرج كوستا غافراس، كما أشار في مذكراته: محمد الصديق بن يحيى ، الذي دعمه ووفر له كل التسهيلات؛ كان حينها وزيرا للإعلام والثقافة، يصفه غافراس كما يلي : “ذو جسم نحيف، ينظر بعينين حاذقتين، نظراته الفاحصة لم تفارقنا، طيلة اللقاء الذي جمعنا معه”؛ ثم يضيف : “شرحت له باختصار قصة الفيلم، مع التأكيد على الشكل الذي سـيأخذه الفيلم، ليفاجئني بسؤال العارف بالسينما :” ولكن لماذا وقع اختيارك على قالب بوليسي (Thriller) ، مادامت أحداث القصة واقعية؟” أجبته : “لأن الشكل البوليسي يُبرز بشكل أفضل عمق الحقيقة..”

وفي أحد الأيام، يحكي المخرج غافراس في مذكراته، وأثناء تصوير مشهد المظاهرات في وسط العاصمة، جاء لزيارته الوزير ابن يحيى في موقع التصوير، وسرعان ما أوقفه شرطي كان يمنع الفضوليين الاقتراب من مكان التصوير، أشار له ابن يحيى بأنه وزير، أجابه الشرطي بحزم “وأنا بومدين”. عاد الوزير أدراجه، لم يلح على الشرطي، وفي اليوم الموالي التقى بالمخرج وحكى له تفاصيل ما حدث. ويبدو أن هذه الحادثة أدهشت المخرج العالمي، كيف لشرطي بسيط أن يقف في وجه وزير؟ وكيف لهذا الوزير أن لا يستخدم سلطاته، ويقبل بالأمر الواقع احتراما للقانون؟
للإشارة شغل محمد الصديق بن يحيى (1932-1982) ، عدة مناصب وزارية، كان آخرها منصب وزير الخارجية؛ وقد توفي رحمه الله، سنة 1982، في حادثة تفجير الطائرة التي كان يقلها، وهو يقوم بمهام ديبلوماسية بين ايران والعراق.

هكذا تم تصوير فيلم “زد” في الجزائر، وبدعم جزائري؛ ليحصل باسم الجزائر على أعلى تشريف، ويتمثل في أوسكار أحسن فيلم بلغة أجنبية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي جائزة لم يسبق أن حصلت عليها دولة عربية –والى يومنا هذا – ما عدا الجزائر. كما حصل الفيلم على جوائز عالمية عديدة أخرى، من بينها جائزة أحسن ممثل في مهرجان كان سنة 1969، نالها الممثل الفرنسي جان لوي ترانتينيان. وقد أصبح هذا الفيلم واحدا من كلاسيكيات السينما العالمية، وأحد أهم الأفلام التي تصنف كسينما سياسية، في تاريخ السينما العالمية؛ بحيث صار مرجعا لأفلام سينمائية تالية، حاولت تقليده، أوالاقتباس منه.

للإشارة، جائزة الاوسكار تسلمها سنة 1970، المخرج أحمد راشدي، على يد كل من كلينت استيوود وكلوديا كاردينال، أثناء حفل اختتام توزيع جوائز الأوسكار. كما شارك في بطولته الى جانب ألمع الفنانين العالميين، نخبة من الممثلين الجزائريين، من بينهم حسن الحسني، علال المحب، وسيد أحمد أقومي.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد بوشحيط

محمد بوشحيط: حول الأزمة

(كُتب هذا المقال قبل 23 سنة، لكنه لا يزال يصف واقعنا) يُصاب المُلاحظ السّياسي، خاصّة …

الكتابة لحظة وعي أم وظيفة أيديولوجية؟

سؤال افتتح به الكاتب الرّاحل محمد بوشحيط(1943-1996) كتابه الأوّل، الذي صدر عن المؤسسة الوطنية للكتاب(1987)، …