الإثنين، 18 نوفمبر 2019

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا

لميس سعيدي

في طريقنا إلى جامعة العلوم السياسية في زغرب، حيث مقرّ إذاعة الطلبة، تشير آنّا إلى مبنى رماديّ وأبيض، مبنى “عادي” في حيّ “عادي”، وتقول: “هنا تسكن الرئيسة”.

-أيّة رئيسة؟

-الرئيسة كوليندا.. تعيش مع طفليها.

-وهل لا تزال تسكن هنا؟

-نعم، أعتقد ذلك..

****

أخرج إلى الشّرفة التي تطلّ على مدينة رييكا؛ جبل وبحر ومنازل “قرميدية” تنتهي بميناء يبدو لأوّل وهلة بلا بواخر. لون القرميد طازج كأنّه رُكِّب للتو، لم تمنحه الشّمس الحارقة والرطوبة ذلك اللون الذي يميل إلى الحِنّاء القديمة في باطن الكف. في رييكا والتي تعني النهر باللغة الكرواتية – ثمّة نهر يجتازها كنَدْبة حيّة ونحيلة وطويلة في منتصف الوجه – الصورة كاملة، بلا شقوق يتسلّل منها الشِّعر، (كما تتسلّل الفئران في أوّل الليل)، ثمّ أن الكتابة تحتاج إلى حلم، وأنا لم أنم منذ قرابة أربع وعشرين ساعة.. أحتاج إلى النوم لأكتب.

****

تستقبلنا زغرب بشمس جنوبية، قذف بها أحدهم إلينا، كما يقذف طفل صغير كرة قدم تكسر زجاج الجيران في الطوابق العليا. في طريقنا إلى رييكا، تبدأ الأسئلة الكثيرة وحديث متشعِّب حول اللغة والهوية. من المؤكّد أن تيتو وُلد في كرواتيا، لكن حين يتعلّق الأمر بالكاتب الشهير صاحب جائزة نوبل إيفو أندريتش، نجد في موقع ويكيبيديا باللغة الانجليزية، أنّه كاتب يوغسلافي وُلد في البوسنة، ثمّ حين تفتح رفيقتنا دُنيا (تعني فاكهة السفرجل باللغة الكرواتية) موقع ويكيبيديا الصّربي، نجد أنّه كاتب صربي يوغسلافي، أمّا في موقع ويكيبيديا الكرواتي نجد أنّه كاتب من البوسنة والهرسك.

أكرّر تلك الحكاية عن أصدقائي الكروات والبوسنيين في المدرسة الأمريكية بطرابلس – ليبيا في تسعينيات القرن الماضي، الذين كانوا يتحدّثون فيما بينهم باللغة ذاتها، ثمّ أسأل عن الفرق بين اللغة الكرواتية والبوسنية والصربية؛ تستقبل السؤالَ ابتسامةٌ ساخرة، ثمّ تبدأ شروحات طويلة ومعقَّدة عن ما يختلف وما يتشابه، أبسطها الاختلاف في استعمال الأبجدية: اللغة الكرواتية مثلا تُكتب بالحروف اللاتينية، فيما تُكتب الصربية بالحروف السيريلية، حتّى نصل إلى الجزر الصغيرة بلغاتها المحلية.. آه طبعا، الجُزر.. الجُزر تخلق دائما هامشا في اللغة والسياسة والهويّة.

****

– ما الذي خطر ببالكم، حين وصلتكم دعوة من مهرجان في كرواتيا، يُدعى “مهرجان الآداب الصغيرة”؟

– الهامش.. أنتمي إلى فكرة الهامش.. الهامش الذي يمكث فيه الشاعر ليمنح علامات سيّئة للواقع، والأدب والحياة.

مهرجان “الآداب الصغيرة” في دورته الثالث عشرة والتي خُصِّصت للأدب المغاربي، يملك كلّ ملامح “المهرجانات الكبيرة”: التنظيم المحكَم الذي لا يترك أيّة تفصيلة للمصادفة، المحاور التي يطرحها للنقاش، محاولة فهم الآداب غير المعروفة لدى القارئ الكرواتي بمنطق التكتّلات الجيوثقافية، باعتبار كرواتيا أيضا جزء من تكتل جيوثقافي، إصدار أنطولوجيا باللغة الكرواتية تضمّ نصوصا لكُتّاب من المنطقة التي يسعى المهرجان لتقديم آدابها، ثمّ تنظيم الفعاليات في ثلاث مدن كرواتية في الوقت ذاته: زغرب، رييكا ودوبروفنيك. ليس من السّهل القيام بذلك ضمن جسد نحيل وطويل يطلّ على البحر ككرواتيا.

****

– ما هي أهم أكلة تميّز مدينة رييكا، يمكننا أن نحملها معنا؟

– زيت الزّيتون والتين المجفَّف.

نضحك.. من غير المعقول أن يحمل كتّاب من شمال أفريقيا زيت الزيتون والتين المجفَّف من كرواتيا!

****

تشبه زغرب المدن الألمانية، أو ما أسميه مدن الرسوم المتحركة، حيث تتوقّع خروج كائنات أسطورية من البيوت والأزقة الحجرية؛ ولكي تشبه المدن الأوروبية أكثر، تتحوّل المدينة بأكملها إلى “سوق كريسماس” كبير تدور فيه أغاني عيد الميلاد باللغة الإنجليزية دون توقّف. مع ذلك تكسر محلاّت الخبز التي نجدها في كلّ مكان، ذلك الروتين، لتمنح المكان طعما مألوفا، يُضاف إلى ابتسامات المارة التي توقفهم في كلّ مرّة، لأنّك تُضيِّع الطريق طوال الوقت:

?Excuse me!..do you speak English –

.. Yeah, sure-

****

– لم نكن نعرف أنّ الرئيسة كوليندا تحظى بشعبية كبيرة في العالم العربي.

– تعرفين أنّ العرب رومانسيون أكثر مما ينبغي.. هل صحيح أنّها تسكن في تلك البناية وسط المدينة؟

-لا، لا أعتقد.. ليست “كول” إلى هذه الدرجة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع