الإثنين، 25 مارس 2019

المرأة باعتبارها ثقب إبرة

عنفوان فؤاد*
كثيراً ما سمعنا عن انتفاضة المرأة، سواء هنا في بلادنا العربية أو في الغرب. تجتهد للمطالبة بحقوقها، متمسّكة بخيط المساواة مع الرّجل، مُتناسية أنها ثقب الإبرة، الذي يجب عليه أن يبقى مكانه باستكانة، دون رعشة حتى يتمكن الخيط من ولوجه بأمن وسلام.
تلك اللحظة التي عليها الإمساك بها لا أن تجعل من ندّها الرّجل غريمًا لها على طول الخطّ.
العداوة التي تبديها المرأة للرجل لها أسبابها ودوافعها الضّاربة في جذور التركيبة الفيزيولوجية.
مادام الرجل هو المسؤول الأول عن نعتها بالهشّة، الضّعيفة، المنكسرة..
ناهيك عن استلابها حقّها من الميراث أو منعها من اتخاذ أهمّ القرارات واعتلاء أهم المناصب كالرئاسة والقضاء، ماسحين إبط الحقيقة بمنشفة الدّين. حاملين داخل عقولهم “المانشيت” المتوارث “النساء ناقصات عقل ودين”.
لنذهب إلى شقّ النقص بالدين وهو تقصيرها لعدد أيام صومها وصلواتها..
وفي الديانات الشقيقة يعتبرون المرأة أثناء مرحلة الحيض نجس ورجس من عمل الطبيعة.
عليهم اجتناب كلّ ما هو أنثوي في الطبيعة، حتى الحيوانات تمرّ بمراحل النفاس فهل هذا يعني أنها نجاسة؟
من أعطاهم الحق بإطلاق رصاص أحكامهم وتسمياتهم العقيمة تلك هم أنفسهم رجالات الدين المصابين بحيض دوري داخل أدمغتهم. ربما حان الوقت لاختراع حفاظات/ فُوَط للأدمغة، لأن هذه الأخيرة مصابة بسيلان دائم.
وما جاء الحيض/ الطمث إلا كتنوُّع في الجنس البشري، وليس أذى لإهانتها ونعتها بأبشع الصّفات أو حتى نفيها، مدّة الحيض واجتنابها.
الصّراع القائم بين الرجل والمرأة أنتج اضطرابًا داخل المرأة هذا الكائن/ الأرض الخصب الذي يحمل بذرة استمرار البشرية.
على المرأة أن تتّفق مع دورتها الشهرية، ولا تعتبر نفسها خارج الجنّة كما سمعت مرارًا في الميثولوجيا الذكورية البحتة التي أتت من تأليفه.
والأسباب المسؤولة في هذا الباب كثيرة لعلَّ أهمَّها الجهل المعرفيّ والافتقار إلى الثقافة الجنسية والطبيعة التكوينية لجسد المرأة.
هذه النظرة الذكورية الملفقة بالكذب والاتهام أثّرتْ على المرأة نفسها، فالمرأة تنظر إلى نفسها بعين الرجل والمجتمع الذكوريِّ ككلّ، ومن ثمَّ تتكوّن عداوة بينها وبين جسدها فتقسو عليه من جهة وتهمله من جهة أخرى، بسبب ما تمّ زرعه من مفاهيم مغلوطة داخل دماغها وأفكار تبنَّتْها دون أنْ تشعر بذلك.
كما نشيرُ إلى نقطة مهمَّةٍ جدًّا وخطيرة في آن؛ تتعلَّقُ بالمرأة المثقَّفة والكاتبة التي لا تأخذ دورات فيما يخص علاقتها بجسدها، أقصد هنا العلاقة الجسدية والنفسية لأن ما ستأخذه اليوم ستزرعه في أولادها غدًا.
نعم ليست هفوة ما كتبت أولادها وليس بناتها فحسب، فالولد الذي لا يتعلم – منذ الصّغر – احترام جسد المرأة وتركيبتها الفيزيولوجية والنفسية كيف تريد له أن يتحرّر من كبته وكسر أقفال هذا التابو!
ما تمرّ به المرأة فترة دورتها الشهرية حتى المرأة لا يمكنها تفسيره لنفسها.
هذا الجهل التكويني والبيئي والنقصّ المعرفي هو السبب الرئيسي في تفاقم المشاكل الاجتماعية والزّوجية.
إن أرادت المرأة المطالبة بالمساواة عليها بالمساواة بينها وأناها أولاً بعدها تنطلق إلى الآخر.
إن كانت العوامل المحيطة والمتوارثة قد انطلت عليها الفكرة المخادعة التي رسّختْها الذكورة كون الرجل عقلاني والمرأة عاطفية، فالعلم أثبت أن بداخل كلّ منا ذكر وأنثى والحكيم من يُعادل بين كفتي المشاعر والتفكير ليواصل الجسد مهمته دون عياء أو جهد.
سأستشهد ببعض الشِعر المترجم في هذا الصدد عسانا نحبّ مع النّهر الذي بداخلنا.

نص للشاعرة لِيُوسِيلْ كلِيفْتُونْ (1936-2010). ترجمة: عنفوان فؤاد
في مديح الحيض

هل يوجد نهر
أكثر جمالاً من هذا الدّم اللامع
كحافة قمر أحمر

هل يوجد نهر أكثر وفاءً من هذا
يعود كلّ شهر إلى ذات الدلتا

هل يوجد نهر أقوى من هذا
يتدفّق ويتدفّق
بموجات من العاطفة والألم

هل يوجد نهر أعرق من هذا
طفل حواء
أم هابيل وقابيل

هل يوجد نهر في الكون كهذا
أو ماء – في مكان ما – أقوى من هذه المياه البريّة

صلّوا معي
لتتدفّق أيضًا في عروق الحيوانات
هذا النهر
الجميل المخلص العتيق
بأصالة أنوثة وشجاعة.

*شاعرة جزائرية. صدرت لها مجموعة بعنوان “غودو يأكل أصابعه”.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

“ماركي فالحيط!”.. حين يشتبك الحراك مع اليومي

1 صالح صاحب محل المواد الغذائية، في الحيّ الذي نشأت فيه، رجل فاضل؛ على الأقل …

تأسيس المجلس الوطني الثّقافي المستقلّ لمواكبة التّغيير الدّيمقراطي

تأسيس المجلس الوطني الثّقافي المستقلّ لمواكبة التّغيير الدّيمقراطي

الجمهورية الجزائرية الدّيمقراطية الشّعبية تأسيس المجلس الوطني الثّقافي المستقلّ لمواكبة التّغيير الدّيمقراطي الآن وقد أعلن …