الإثنين، 17 ديسمبر 2018

هل الكتاب صديقٌ لكلِّ قارئ؟

خليل دادي

كلّ كتاب جيّد يقوم إنسان بقراءته كفيل بتغيير فكره، شعوره، أهدافه، بل وحتّى حياته، لأنّ كل كتاب جديرٌ بتلقيننا شيئا من المعرفة والحقيقة، وربّما الواقع أيضا.

الرّواية أيضا كتاب، والرّواية تستطيع إحداث ثورة، إمّا داخليّة بين القارئ ونفسه أو خارجيّة بين القارئ والمجتمع الذي يعيش فيه، وهذا كلّه عن طريق كلماتها، التي تبحث لها عن أنجع سياق يضعها فيه.

واستدلالا على كمّية ودرجة تأثير كتاب ما على القارئ؛ هو شعوري حين عكفتُ منذ أيّام على قراءة رواية ” السّكير” لإميل زولا، التي يحكي فيها عن امرأة حُبلى ضالّة في شوارع باريس دون أن تبتلع طعامًا لأيّام، وحولها باريس لا بل أوروبا بأكملها التي تعجّ بأنهار الخمر والحفلات والولائم، الأمر الذي أثار رُعبي حول المستقبل. فمهما كان القارئ بليدا، عديم الإحساس والاهتمام بمن حوله قطعًا لن يقوى بعد إغلاقه للكتاب إلاّ على مدّ يده إلى أقرب رغيف خبز أمامه ليأكله، وربّما مُجرد إحساسه لوجود الخبز في منزله سيشعره بالأمان، ستعيشُ حتما الجوع الشّديد، الفقر، العِوَز والحرمان، ستتجسّدُ شخصيته الرئيسية فيك، ستتملّكك، تأسرُك دون أدنى شعور منك.

لا لسببٍ؛ غير أنّ الكاتب بسرده العبقريّ للأحداث، وطريقة انتقائه للكلمات التي تتماشى والموضوع، إضافة إلى توظيفه لكلّ ما يُلامس واقع، عقل، وقلب القارئ من تفاصيل وحقائق، جعلوا منه يُحاكي حياة كلّ مَن مرّ بما في الرّواية من أحداث أمْ لم يمرْ. وهذا على سبيل المثال لا الحصر.

يوجد العديد من الكتب ومن الكتّاب أدّوا رسائلهم بنجاح، عالجوا القضايا بتفانٍ رهيب، وهذا هو حتمًا جوهرُ الأدب والدّور المنوط به، فالأدب وسيلة لحفظ الأفكار والعلوم من الضّياع، للتّوعية والتّوجيه، لتحسين الوضع الاجتماعي والسّياسي والاقتصادي، الأدب بصفة عامّة هو وسيلتُنا للرُّقي والازدهار، لا للركود والتخلّف. مثلا كتاب “الأمير” لميكيافيللي، صاحب مبدأ الغاية تُبرّر الوسيلة التي أصبحت مرادفا للانتهازية على مرِّ العصور أحدث نّقلة هائلة في نُظم الإدارة والحكم وتأسيس الدُّول.

كما لن ننسى كتاب ” رأس المال”، لكارل ماركس، صاحب الثّورة العقليّة، الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، التي أدّت إلى حربٍ دامت نصف قرن من الزّمان، حيث أصبح اسم مؤلِّفه مُرادفا لاسم مذهب سياسي اجتماعي اقتصادي (الماركسيّة). أيضا كتاب “المقدّمة”، لابن خلدون، الذي بعد انتهائك من قراءته ستشعر لوهلة أنّك دكتور في علم الاجتماع… لكن في المُقابل هناك تلك الكتب التي كُتبت، طُبِعت وغُلِّفت من أجل نشر الرداءة، ربّما! الأدهى والأعظم من هذا وذاك أنّها تقلّدت العديد من الأوسمة، تُوّجتْ بالعديد من الجوائز، وكُرّم أصحابها على الكثير من المنابر العلمية والأدبية على اختلافها، رغم ركاكة اللّغة، ونفور المعنى من الكلمات المُستعملة، وبراءة الأمثلة والصُّور المُرفقة من تناقضها مع المُحتوى.

هذا الأمر الذي يولِّد كتحصيل حاصل عديد الأسئلة داخل ذِهن القارئ على وجه الخصوص، حيث يسأل نفسه مِرارا: هل الكتاب غير الحائز على جائزة أدبية ما، أو لم يُترجَم إلى لغة أخرى غير التي كُتِب بها، لا يستحق قسطًا ممّا نالته كتب أقلّ جودة وفاعليةً وتأثيرًا؟ إلى متى تبقى فكرة الكتاب الجيّد والمقبول والسيّئ بأيدي لِجان التَّحكيم وقوانين السّوق؟ أين القارئ ممّا يقرأ؟ جزءٌ من هذه الكتب، وإن لم يكن كبيرًا، هو رفٌّ محشوٌ بالكثير من العبارات والشّعارات المبتذلة المتكلّفة التي لا تدعو إلى التّغيير، وإنّما تدعو القّارئ المبتدئ إلى التّجشؤ أما القّارئ المُتمرّس فلن يُقاوم، سيتقيّأ حتمًا، لأنّه سيقرأ عن البحر فيزاداد حبّه للصحراء و التيّمم بدل الوضوء، سيقرأ عن الأكل ليقتنع بالمُداومة على الحميّة، وربّما سيهدم مطبخ منزله مباشرة بعد إغلاق الكتاب، أمّا عند قراءته لروايات الرّعب والوحوش المزعومة فالأمر أشبه بحضور سيرك لأي مهرّج فاشل لا يُتقِن سوى تحريك أنفه بطريقة غبيّة.

أمّا عن استغلال الكاتب لعقول القرّاء وطريقة تفكيرهم؛ فهذا أمر لا يقلّ أهمّية عن رداءة الأسلوب، اللغة، والقضيّة المُعالجة، مهما أجاد في تعبيره، لأنّه في العالم وخصوصا العربي على وجه التّحديد شاعت مؤخّرا ظاهرة العناوين الإشهارية، والتي مُعظمها مُقتبس عن الكتاب المُقدّس في المنطقة، كذائقة الموت، ويسمعون حسيسها، نفر من الجن… والكثير من العناوين على هذه الشَّاكلة، لتجزم أنّ صاحب الكتاب تاجر بامتياز، وستتأكّد من أمره حالما تطّلع على مضمون كتابه البعيد كلّ البُعد عن العنوان المُغري المُثير للفضول. فلا تنتظر أن تُغيّر فيك هذه الكتب ما تريد أو يجب تغييره.

القارئ مبتدئا كان أم لم يكن هو حكَم للكتاب، فحجم وقيمة الكتاب تُقاس بوقعه على النّفس وتأثيره، ولا يمكن الحُكم على الكتاب بإجماع عدد من الأشخاص على رأي واحد، فالأمر شبيه بقراءتك لمائة كتاب في السنة وما تلبث كثيرا حتّى يُتلى على مسامعك أنّ الجزائري يقرأ صفحة في السنة، أين اﻟ99 كتابا وباقي صفحات الكتاب الأخير وكلّ وقتي وتجاربي التي خضتها رفقة تلك الوريْقات؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حميد سكيف

حميد سكيف: بيم بام بوم

هذا النّص صدر، عام 1971، في أنطولوجيا الشّعر الجزائري، التي أشرف عليها جان سيناك. نقدّمه، …

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

(إلى جدي تُّومي سعيدي المكنَّى بهو شي منه) …كشيوعيٍّ يصبُّ الحزنَ في الأنخابِ، يكوي صدره …