الإثنين، 17 ديسمبر 2018

احميدة عياشي: هوامش الفاتح.. بداية ناقصة لثورة بتراء

حميدة عياشي

لماذا الفاتح نوفمبر؟ مختلف القراءات انصب تفسيرها على يوم القدّاس (عيد الشّكر)، المخيال الدّيني، وإحداث الصّدمة التي لا تنسى في تاريخ الآخر.

تحوّل هذا التّفسير إلى يقين، كاد أن يطغى على مختلف القراءات التي كانت تبحث عن إيجاد معنى ليوم التمرّد والإعلان عن القطيعة في الأسلوب، الذي طالما رفع كشعار عند الراديكاليين الوطنيين، لكنه لم يتجاوز الخطاب الذي سرعان ما ابتلعه الابتذال في سوق المزايدة الثورية.

الواحد، كان أيضا يُحيل الى بداية التاريخ وفي الوقت نفسه نهاية التاريخ السابق للتاريخ القادم، البداية تكمن في الغموض الذي يجعل من الفاعلين الذين كانوا في طيّ المجهول أقرب مع انبثاق الفعل إلى الأطياف المحاذية لعالم الأسطورة في حال تحقّق الواحد كفعل يلج كوّة التّاريخ..

من ذا الذي فكّر في الواحد كلحظة تدشين ليوم جديد ومغامرة مغايرة وتاريخ لم يكتب من قبل؟!

كان اجتماع مجموعة الاثني والعشرين تأسيسا لمحطة، لانطلاقة، للحظة كانت تنطوي على بلاغة الغموض الذي كان يسكن نظرتها ولغتها وتصوّرات أصحابها، هل كان واحدا من مجموعة الاثني والعشرين؟!هل كان خاضعا للعفوية والصّدفة التّاريخية التي تتحكّم في لحظة البدء؟

كان الواحد رغبة جموحة ومكبوتة، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف كانت مصدر الصّراع والتصدّع والانقسام ومن هنا كانت الرّغبة في التخلّص من ظلّه وهيمنته وتكراريته التي تبعث على الخوف والقلق.

كان الواحد يتمثّل في شخصية الزعيم الذي ارتبطت به الوطنية كمشروع للتحرّر، وكوطن مبتغى، وكلحظة خلاص منتظرة، كان الواحد مصدر القوة والضعف معًا، كان الرابط مع القوة الإلهية العليا، لكن الدّافع للتّحرّر من انحطاط هذه القوة التي أصبحت مصدر الجمود والارتباط بالأغلال..

لم يعد الواحد قادرا على الاحتفاظ باستيعابه للكثرة المتعددة، روح القوة النامية والمتجددة والمتنوعة، لم يعد الواحد يتناغم والزمن الذي لم يعد واحدا بل متعددا في أبعاده وفي اتجاهاته وسيره..

كان الفاتح من نوفمبر مثل البداية التي لا تشبه البدايات البالية، بداية حياة جديدة غير مسبوقة، بداية الثورة؟ الحرب؟ التمرّد؟ الإنسان الحرّ، الثّائر ضد قدر تحكّم في ماضيه وحاضره ومستقبله مدة عقود طويلة..

يعيدنا الفاتح، إلى فاتحة الكتاب المقدّس عند المسلمين (القرآن) فاتحة القرآن، تحمل في طياتها كل الدلالة الرمزية التي ينطوي عليه الكون في عظمته، ودلالته على خالق الكون ورمزية الحياة النسبية والمطلقة حيث الرحمة، والملك، والعبادة، والاستعانة، والهداية، والطريق المؤدي إلى لحظة الخلاص والسّعادة الأبدية والهناء والرضا العظيمين وكذلك بالنسبة إلى فاتحة الحياة الجديدة، الثورة/التمرد لحظة استعادة الحياة المفقودة، التي تعني استعادة الكرامة المهدورة والحرية الغائبة والسّلم الدائم المفقود.

إن الفاتح/الفاتحة هو إيذانا بكتابة سردية أخرى، سردية لا يكتبها الزعماء، أو الأفراد المنعزلين، بل يخطّها (الشعب) ويحكم على مباراة كتابتها الشعب، ذلك ما تشير إليه المجموعة المبادرة في بيان الفاتح من نوفمبر..

إن مشروعية التفكير في خوض التحضير الشروط لانبثاق السردية الجديدة البديلة عن السردية المعطوبة، والتي وصلت إلى حدودها هو هذا الوعي بالتقصير في تجاوز الإصلاحية التي خربت الوعي الثوري التحرري في شكله القديم، وهذا الوعي بالتقصير والتراوح في ذات المكان بينما باقي التجارب السردية في كتابة التغيير قد خطت نحو الأمام مثلما حدث في تونس والمغرب وفي الهند الصينية.

إن الشعب هو من سيحكم على المبادرين في بعث هذه السردية التي طالما تم انتظارها وتحققها، والشعب هنا هو من سيعوض الواحد المفرد وينتج الواحد المتعدد، ستولد الأسطورة المستقبلية من رحم مغامرة الفاتح، الحلم بطيف التاريخ البكر، بالبداية الأم، المنتزعة من رحم البدايات المتراكمة أسيرة التماثل الذي وصل إلى حدوده القصوى، التي فتحت الطريق الجديد لانبثاق بداية ثورية لا إصلاحية، بداية تجعل من النهايات نقطة انطلاقها نحو عالم تستمد منه القوة والرغبة في صناعة التّضحية ورسم الرمزية في وجوهها الدائمة والحية والخلاقة.

البداية؟ موت إنسان وحياة إنسان جديد، موت العبد، وانبعاث الحر السيد في صناعة مصيره بحسب فرانز فانون (معذبو الأرض)، التفكير والفعل معا ليتشكّل التفكير المغاير والحديد في الوقت نفسه. ما بين لحظة الفعل/المبادرة ولحظة المسؤولية بدأ فجر جديد؟ كانت الطلقة الأولى في قلب الليل، الثانية التي تجمع بين عالم الأمس وعالم الحاضر المختلف، رصاصة مدوية، تعمل على تمزيق الغشاء الكثيف الذي يحجب النظر عن الغد الممكن، ويطيح بالمسافات الوهمية بين عالم العبودية وعالم الحرية.

في الغد، فتح المعمرون والمستعمرون عيونهم على أخبار هي أقرب إلى القلاقل، العصيان، التمرد، لكن هل كانت تلك الأخبار تحمل في طياتها الحرية كحلم وفعل وخطاب جديد؟! لم يكن ذلك جليا عند الكثيرين، علّقت الجرائد بعبارات مألوفة هي أقرب إلى القصة /البوليسية منها إلى القصة الساردة تفاصيل غد قيد التشكل، أو يوم قيد التشكل..

مسلحون؟ عصاة؟ خارجون عن القانون؟ لم يكن القاموس المتجلّي في الخطاب اليومي للصّحافة قادرًا على تبيّن الطريق إلى لغة جديدة، حريق هنا وآخر هناك، مقتل أشخاص في مناطق معزولة، لم تكن القصّة مثيرة لكنها بدأت تفتح ثغرة في الجدار الذي كان يبدو ثابتا غير آيل للاندثار؟!

لم تكن البداية مع تتالي الأيام والأحداث الصّغيرة مجرد بداية دون تتمة، بداية دون مفاجآت مولّدة للسؤال، كانت البداية وكأنها مفتوحة على بدايات قادمة دون توقّف لتصبح البداية الحقيقية للقصة المؤدية إلى سردية كبرى، سردية راحت تستعصي على اللغة اليومية المسيطرة، لغة الصحافة والسياسي.

شرعت البداية تكشف عن ملامحها المتنامية، وبالتالي عن لغة جديدة سترتبط بالحدث الذي راح يغير في الألم والصدمة والحقيقة الجريحة والصّادمة من نظرة السيد والعبد معا، من نظرة الجزائري الفرنسي والجزائري المقيم على التخوم، تخوم الثقافة القائمة، تخوم الصّمت السّائد والمثبت عبر الأغلال الثقيلة التي ثبتها الزمن الكولونيالي، تخوم التاريخ الشاهد على أن ثمة ثورة ناقصة قد بدأت.. ثورة بتراء.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاب حسني في تسجيل إذاعي نادر

من بين آخر التسجيلات الإذاعية مع الشاب حسني، هذا التسجيل الهام الذي أجراه معه الإذاعي …

التّنمية الثقافية أو "أنسنة" مشاريع التّنمية العربية

التّنمية الثقافية أو “أنسنة” مشاريع التّنمية العربية

بالمعنى التّاريخي، هناك مدن عربية عريقة لا يمكن التّغاضي عن إشعاعها الثّقافي والعلمي، على مرّ …