الإثنين، 17 ديسمبر 2018

احميدة عياشي يكتب: كيف نقرأ ماركس اليوم؟!

احميدة عياشي

الماركسية توفيّت عشية انتصار البولشيفية، وتحوّلها إلى عقيدة بيروقراطية مشوّهة بداء اسمه الستالينية.

ولم يكن إعلان هذا الموت بسقوط الاتّحاد السّوفياتي، الذي تورّط في غزو أفغانستان وتحوّل إلى صورة من صور التّاريخ التراجيكوميدي عندما يتحوّل إلى كاريكاتور خادع ومضلل.

لكن هل موتها كان يعني نهايتها في التّاريخ كما بشّر بذلك يومها فوكوياما، الذي مارس ثأره من ماركس بواسطة هيغل النيوليبرالي الذي تمّ بعثه في نشوة أفول شمس السوفيات وفوز الليبرالية الأمريكية على الاشتراكية السوفياتية القيصرية؟

في البداية، توهّم الكثيرون ذلك، ودعم مثل هذا التوهم المنظر الأمريكي هتنغتون بكتابه الشهير (صدام الحضارات)، وتمّ وقتها اختراع الإسلام كتهديد جديد ليس للعالم “الحرّ” وحسب بل للسلام العالمي وعززت النهاية الاصطناعية لحرب أفغانستان وبداية حرب دينية إسلامية جديدة ضدّ الغرب “الصليبي” هذا الاعتقاد والتي انتهت بأحداث الحادي عشرة سبتمبر..

ظهرت الإسلاموية في عالم الإسلامويين وكأنها بديلا للأيديولوجيات الثورية التي سادت نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، واكتسحت كلمة الجهاد السوق الخطابي العالمي، ولم تعد مجرد كلمة عربية في حدودها المغلقة، ورافقتها كلمات آخري مثل السلفية، وأختزل عالم العرب والمسلمين في مرادفات مثل هذه الكلمات المهاجرة من القاموس العربي الديني إلى قاموس اللغات الغربية والآسيوية في مصطلح الإرهاب الذي بات يعني العربي والمسلم، ولم تتمكّن ثورات الربيع العربي أن تمحو هذه الصورة في المخيال غير العربي المسلم، على الرّغم ما أثارته من خلخلة في مخيال الغربيين بسبب تراجعها السريع أمام الموجة العتيدة للثّورة العربية المضادّة..

نجد اليوم أنفسنا أمام أسئلة جديدة، وحقائق منتجة للقلق الذي يجعل من اليقين السّائد مجرد تحريض ضده، ومن هذه الأسئلة هل فعلا توفيت الماركسية ولم تعد أي نجاعة في مساءلتها مجددًا، وهل أصبحت الفكرة الليبرالية جيّدة وصالحة للتعميم والانتشار والسيادة، وهل الإسلاموية تدل على (أصالة العودة للإسلام) مثلها مثل السلفية أم هي مثلها مثل النفايات الثّقافية الأخرى التي أنتجتها حقبة ما بعد الحداثة الرأسمالية، وهي وجه خادع لما يُسمى بالعودة إلى الذّات أو الإسلام المبكّر، بل هو المزيد من الانخراط في ماكينة الرأسمالية الطغيانية في زمن الإمبراطورية الأمريكية؟!

لم يتوقّف الاحتفاء بموت الماركسية منذ الأرونيين (نسبة إلى ريمون أرون) وأتباعه من الفلاسفة الجدد الفرنسيين وانتهاءً بفوكوياما وقادة الإسلاموية العربية ما بعد حقبة الإصلاحيين، وبروز ظاهرة داعش في عزّ موجة الثورات العربية المضادّة، لكن لم يمنع هذا الاحتفاء بظهور الحاجة إلى ماركس مستعاد من قلب الخراب الرأسمالي، والانهيار الأخلاقي للعالم وما رافقه من إفلاس تجلّى في مختلف  الحروب التي قادتها الولايات الأمريكية في مناطق شتى من العالم ومنها أفغانستان والعراق تارة باسم ملاحقة الإرهابيين وتارة باسم تدمير الأسلحة الشّاملة ونقل الديموقراطية إلى الشعوب المغلوبة على أمرها..

إن ما قدمه اأنطونيو نيغري وميخائيل هاردت من خلال كتابيهما(الإمبراطورية) و(كومنولث) يفتح الطّريق الجديد إلى مثل هذه الحاجة إلى ماركس المُستعاد من خارج القراءة الكلاسيكية التي سجنت ماركس في تلك الرؤية الأرثودوكسية الأولوية ذات النزعة الطوباوية، الذي قام هو بنقدها بشكل لاذع في أعمال سان سيمون بشكل خاص.. وهو كذلك ما قدّمه الراحل فالح عبد الجبار في كتابه (ما بعد ماركس؟) في قراءته التأملية لمنجز ماركس على ضوء مساءلة النظم التي هيمنت على القرن المنصرم ولاتزال، التوتاليتارية، الديموقراطية، القومية والإسلام.

كيف نقرأ مصير التوتاليتاريات وتداعياتها على ثقافتنا ونظرتنا إلى أنفسنا وإلى العالم اليوم، وكيف يمكن إعادة النظر في الديموقراطية على ضوء الاختبارات في ضوء جدليات الأزمنة الثلاثة: الكولونيالية، وما بعد الكولونيالية وما بعد القومية/الوطنية وهذا ما يحرضنا على طرح السؤال: كيف يمكننا قراءة ماركس اليوم؟!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

شحال مازال الحال

شحال “مازال الحال”؟

حصّة “مازال الحال” اللي تجوز، كل خميس في الليل، على قناة “الجزائرية وان”، واللي راهي …

هل نحن في الجزائر بحاجة إلى الفلسفة ؟

اليوم، الخميس15 نوفمبر 2018 ، يصادف اليوم العالمي للفلسفة . وقد حددت منظمة الأمم المتحدة …