الإثنين، 17 ديسمبر 2018

فضيلة الفاروق تكتب: بصيرة ثقافية

فضيلة القاروق

لا يمكن للمُصيبة أن تكون أكبر من أن يجد المثقّف نفسه مُخيّرًا بين أمرين في العالم العربي؛ فإمّا أن يكون مواليًا أو معارضًا، وهي مصيبة صنعها المثقّف نفسه دون حتّى أن ينتبه.

المثقّف الذي يعتبر نفسه ناقصًا إلا إذا تسلّح بروابط سياسية تموّله ماديًا، وتتحكّم في مصير لقمة عيشه، لا يعتبر مثقفا، بل متسلّقا…

المثقّف الذي يقف في صفّ، ثم ينتقل – حسب مصالحه – إلى الصّف الآخر، ليس مثقفا.

المثقّف الذي ينتمي لمعارضة مشبوهة لا تؤمّن بقوة الكلمة والحوار، ويقبع في الخلفية المظلمة يُراقب حلبة القتال دون أن يدين السّلاح، ليس مثقفا…

آسفة إن قلت أن المثقّف يجب أن يتقدّم الشّعوب، والحكّام والأنظمة بكل أكسيسواراتها من موالاة ومعارضة، وإلاّ فهو مزيّف…

فالمشكلة لدينا لا تكمن في من يستلم القيادة، بل كيف تكون هذه القيادة، فلم أر في حياتي فارسًا مهما كان بارعًا في ركوب الخيل يتولّى قيادة حافلة مليئة بالرّكاب إلاّ إذا كان مدرّبا ومهيّأ لذلك.

ولعمري لو أن عنترة بن شدّاد نفسه بُعث من قبره وسُلِّم دفّة أمور أهل الثقافة في بلداننا العربية العظيمة لعاد إلى قبره منتكسًا، ليس لأنه غريب عن هذا الزّمن، بل لأن الشِّعر في زمنه كان مقرونا بالنّبل والأخلاق الرّفيعة والوفاء والعفّة والشّرف… فمن هو الشّاعر اليوم؟ ومن هو الرّوائي، والمفكر الذي يقود طلاب الجامعات بفكره المستنير؟

أين هو المثقّف المخلص لرسالته؟

إن أجبنا أن كلُّه متوفّر، فلماذا لم ينعكس ذلك في سلوك مجتمعاتنا؟ أين يهدر المثقف ثقافته؟ بعد أن قطعت الشّعوب العربية شوطا كبيرًا في التعلّم؟

إن ما ينقصنا ليس أن نقرأ ونكتب، ولكن كيف نتعامل مع الحياة؟ إذ يبدو أننا أكثر الشّعوب ضياعا لفهم المطلوب منها على هذه البسيطة، فكلما تطوّرت الأمور حولنا، أصبنا بأعطاب مختلفة تعيقنا عن المضي قدما مع الزّمن… لقد فقدنا الرّؤية تمامًا، وصعب علينا التقدّم للأمام، لأن قياداتنا الفكرية بدل أن تلتزم بمهمتها، تبعثرت تحت أجنحة قيادات سياسية مختلفة، وتمركزت خلفها، وبصيرتنا الثقافية أصيبت بالعمى.

هذا المثقف العاجز عن التحرر، والاستقلال بفكره، والذي اعتبر دوره ثانويا، أسس لفكر أعرج، وهو ما حوّل الفرد عندنا إلى كائن أعمى أضاع الطريق.

فلماذا اكتفى هذا “المثقف” بهذا الدّور الحقير، وتخلّى عن مهمته السّامية؟ حتّى أنه لم يعد يُمَيّز عن بعض حثالات المجتمع، فهو يدخّن وفوق رأسه يافطة مكتوب عليها “ممنوع التدخين” ويرمي أعقاب سجائره أينما كان، يطعن زميله في العمل بأسوأ الطّرق، ويخون زوجته مع امرأة سيئة السّمعة، ويحرم أبناءه من بعض الأطايب ليتعاطى الممنوعات، فإن لم يلتزم في هذه الأمور البسيطة، فكيف نصدقه؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

شحال مازال الحال

شحال “مازال الحال”؟

حصّة “مازال الحال” اللي تجوز، كل خميس في الليل، على قناة “الجزائرية وان”، واللي راهي …

هل نحن في الجزائر بحاجة إلى الفلسفة ؟

اليوم، الخميس15 نوفمبر 2018 ، يصادف اليوم العالمي للفلسفة . وقد حددت منظمة الأمم المتحدة …