الإثنين، 17 ديسمبر 2018

التّفكير شعريا، أو الشّعر بنكهة فلسفية

ناصر باكرية
ناصر باكرية

إذا كانت الفلسفة قد اهتمت بالشّعر، لما ينفتح عليه من إمكانات الكشف عن الوجود، فإن الشّعر بدوره استثمر إمكانات الفكر من جهته، محاولاً القبض على جمرة الوجود الحارقة، دون أن يخفي اتكاءه على الفلسفة، سواء في تأثره الجليّ بسوداوية الوجودية، أو في قلقه العدمي، الذي يقربه من اللاشيء.

وهو في كل ذلك يواصل لعبه البريء باللغة، أحيانا، والممزوج بتموقع أقرب ما يكون إلى “الإيديولوجية” الفلسفية، وهو في كل ذلك وفيٌّ للغة، ومنتصر للشّعر بما هو تأسيس للوجود.

يطالعنا الشّاعر التونسي شكري بوترعة* في مجموعته “ثمة موتى يستدرجون القيامة”، بخرق لافت، محاولا تسمية الأشياء لامتلاكها، ومحاولا الاتجاه صوب المقدّس وجعل المقدّس يتّجه إليه، عبر اللغة فـ “ـالشاعر حين يكتب يترك المقدس يتيه نحوه”، فبدءا من عتبة العنوان، يظهر هاجس القبض على المقدّس، واستحضاره، بما يجعل نصوص شكري، طريقة تجريبية في التّفكير، للقبض على المقدّس وللثّورة عليه أيضا، “ولابتكار أنفاق أخرى أكثر اختفاء للعبور فوق الأرض..”.

فعنوان المجموعة يتكوّن من خرق دلالي واضح، بنسبة فعل الاستدراج إلى الموتى، بما يعطيهم حقّ الفعل، ويشي القاموس الديني الذي تتكئ عليه هذه النصوص بهذا التوجه. فإذا كانت “ثمَّ أو ثمت بفتح التاء إشارة إلى المكان، فإنها وردت في شروحاتها لدى ابن منظور والزجاج مربوطة بالمقدس، الذي تحيل إليه، يضيف ابن منظور نقلا عن الزجاج”، قال الله عز وجل: “وإذا رأيت ثم رأيت نعيما”، قال الزجاج ثم يعني الجنة، فأي جنة وأي فردوس مفقود، يحيل إليه شكري، وأي موتى هؤلاء القادرون على استدراج القيامة؟

إذا كان الموت يطالعنا من العتبة الأولى ضمن عنوان المجموعة “ثمة موتى يستدرجون القيامة”، والاستدراج لغة هو الإدناء على التدريج كما يحمل معنى المخادعة، فإن تيمة الموت ترد بلفظها أو بأحد لوازمها كالتوابيت والقتل والشّواهد والقنص أكثر من 50 مرّة في نصوص هذه المجموعة، مما يجعل معجم الموت ملمحا أسلوبيا بارزا، لا يمكن ولوج هذه النّصوص دون الوقوف عنده مليا.

غلاف المجموعة الشّعرية
غلاف المجموعة الشّعرية

وقد ظلّ النظر إلى الموت ينطلق من زاويتين اثنتين: في كونه خلاصا بالعودة عبر التناسخ أو البعث، أو فناءً ونهاية أبدية، ويحضر الموت عند بوترعة في صور شتى تحاول صياغة الموت بشكل يجعله أكثر ألفة، فهو يأتي “ملفوفا في شراشف الجنائز، والموت بالنسبة إليه، ليس سكونا كما تعرِّفه القواميس، فهو يَقِظٌ أثناء موته”، وانتبه حين أموت بأن لا جدوى للباب والنافذة، وهذه اللا جدوى للأبواب والنوافذ، نابعة من التخفُّف من المادة، ومن الذاكرة العصية على الغياب فــ “ذاكرة الموتى أقوى من مدائح الغياب”، كما أن الموت ليس حتمية بل اختيار، بطريقة ما، حين يعلن أنه يموت ويستفيق من موته أكثر موتا “أموت أحيانا واستفيق أكثر موتا..، وبعد استفاقته الثانية وعودته من معراجه الموتي يخبرنا شكري على طريقة المعري ودانتي، بأحداث اليوم الثاني للقيامة دون أن نعرف إن كان زار الجنة أم الجحيم. ولا يخبرنا إلا عن طريق إشارة غامضة، عن الضحك في الفراغ”، في اليوم الثاني من القيامة يدور الضحك في الفراغ.

إن الموت وإن بدا مألوفا، وغير مزعج فيما سبق إلا أنه ليس دائما بتلك النصاعة. ألم يقل هيراقليطس إن الكلمات تحمل أضدادها؟

برزخ اللغة والانبعاث

الكتابة تحايل على الموت يقوله آدم فتحي في مقدمة ترجمته لأميل سيوران، “وهذا ما ينطبق تماما على شكري” فهو يكتب كي يموت على طريقته هو.. ، فالشاعر يقطن داخل اللغة، وبها يَعبُر إلى ذاته، ويقبض على وجوده “إن اللغة هي مسكن الوجود، وبقدر ما يكون الشّاعر قادرًا على التعبير عن تجربة وجودية – كإدراك هشاشة الوضع الإنساني، أو تجربة الموت – يكون قريبا من الوجود.

إن هذا الإصغاء إلى أقاصي الموت لدى شكري، يجعل نصوصه، في منزلة بين المنزلتين، فــــــ “الطبيعة تستيقظ، والرّوح تتجلى عندما يحضر الشّعر، إن الشّعراء يسمون الآلهة ويسمون الأشياء التي يعنونها، وبهذا أعانوا الإنسان على أن يتحقّق لأول مرّة، في التّاريخ”، وكذلك يفعل شكري إذ يسمي الموت، صابغا عليه صفات جديدة جعلته مرئيا على نحو ما.

إن السرّ الذي يقبض عليه شكري، هو سر اللغة.. سر الوجود، وما يؤكد ذلك تلك الأقنعة التي اختارها، لإظهار شغفه بالوجود، من خلال هايدغر الذي انطفأ فلسفيا، بعد “الزمان والوجود” واتجه إلى شموس هولدلين، الذي يصفه بشاعر الشعراء، ولم يغب أيضًا نيتشه الذي اتخذ من الشعر مطرقة لهدم الأصنام العقلانية، بعد انتهائه من كتابه الشهير “العلم أو المعرفة المرحة”، ويحضر في النصّ أيضًا أحد الكتاب الذين انتبهوا إلى خطورة اللغة، وسوء الفهم الذي يحدث جراء ذلك، وهو ميلان كونديرا، صاحب رائعة الكائن (العابر للغة) الذي لا تحتمل خفته.

 

*شاعر من تونس، توفي في 24 سبتمبر 2017

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حميد سكيف

حميد سكيف: بيم بام بوم

هذا النّص صدر، عام 1971، في أنطولوجيا الشّعر الجزائري، التي أشرف عليها جان سيناك. نقدّمه، …

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

(إلى جدي تُّومي سعيدي المكنَّى بهو شي منه) …كشيوعيٍّ يصبُّ الحزنَ في الأنخابِ، يكوي صدره …