الإثنين، 17 ديسمبر 2018

هل نحن في الجزائر بحاجة إلى الفلسفة ؟

عيسى مزوار

اليوم، الخميس15 نوفمبر 2018 ، يصادف اليوم العالمي للفلسفة . وقد حددت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونسكو) شعار هذه السنة ” الفلسفة والتفكير النقدي “.
لقد اعتمدت اليونسكو في عام 2002 اليوم العالمي للفلسفة على أمل تشجيع التحليلات والبحوث والدراسات الفلسفية لأهم القضايا المعاصرة من أجل الاستجابة على خير وجه للتحديات المطروحة اليوم على البشرية .
أسئلة كثيرة تتداعى لذهني ، في هذا اليوم ، حول دور الفلسفة في حل مشاكلنا ،وهل نحن في الجزائر بحاجة إلى الفلسفة ؟
فقد تنوّعت أراء الجزائريين ، فمنهم من يعتبر الفلسفة سفسطة لا فائدة ترجى منها. ومنهم من يتهمها بأنها تحارب الدين وأنها طريقة إلى الكفر . ولا عجب في ذلك . ففي التاريخ العربي الإسلامي ، تعرضت الفلسفة لمقاومة شرسة منذ أن أطلق أبو حامد الغزالي مقولته الشهيرة ” من تمنطق فقد تزندق ” وأضطهد الفلاسفة وحرقت كتبهم .
وفي حقيقة الأمر ، فإن الفلسفة هي التي وقفت في وجه تحالف السلطة الحاكمة مع رجال الدين الذين الفلسفة تعني عندهم مخالفة الشريعة . وفئة أخرى من الجزائريين ترى أننا لسنا بحاجة إلى الفلسفة ، مادام العلم قادر على الإجابة عن أسئلة الإنسان وبالتالي إعطاء الحلول.

إذا كان العلم هو الذي يفسر الظواهر عن طريق فهم قوانينها التي تتحكم في الطبيعة ، فإن الفلسفة هي وحدها التي تطرح أسئلة الماهيات. ومن هنا نخلص إلى أن العلم لا يفكر وأن الفلسفة هي ممارسة النقد والتحليل لما يجري على مستوى الفكر والواقع . والفيلسوف هو الذي يفكر بطريقة دقيقة وعميقة ويبذل جهدا أكبر ويكون صادقا ووفيا في البحث عن الحقيقة .
لقد بقيت الفلسفة ، في الجزائر ،محصورة في نطاقها الأكاديمي تدرس في مدرجات الجامعة ويشارك أساتذتها في الندوات والملتقيات والمؤتمرات داخل وخارج الجزائر . ولم يستطع الفلاسفة في الجزائر تحويل مشاكل المجتمع إلى موضوع للفلسفة. وهذا الفشل يجعل الفلسفة تموت وتنتهي معها مهمة الفيلسوف .
وقد شعر الفلاسفة ، في الجزائر ، بهذا الخطر ، فقاموا بتأسيس جمعية ، في 25 جوان 2012 ، أطلقوا عليها تسمية ” الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية”. يرأسها حاليا ، البروفيسور عمر بوساحة من جامعة الجزائر . يتمحور مشروعها أساسا على نشر وتجذير الفكر الفلسفي النقدي في الحياة الثقافية الجزائرية .لها فروع بكل جامعات الجزائر . يرأس فرعها بجامعة مصطفى اسطنبولي بمعسكر د. هواري حمادي .
وفي لقاء جمعني برئيسها د. عمر بوساحة ، بمدينة معسكر ، قال لي ” إننا نسعى لإخراج الفلسفة من مدرجات الجامعة إلى الشارع لتلمس أسئلة الناس البسطاء ، كما فعل سقراط عندما أختار أسلوبا جديدا في الفلسفة واقترب من الشعب “. والحقيقة تقال ، إن الفيلسوف الجزائري يجد صعوبة كبيرة في ممارسة دوره النقدي لأن هناك فئة من الجزائريين تتمسك برأيها المتمثل في أن حل مختلف مشاكل البلاد يقررها السياسي والاقتصادي لا الفيلسوف .
ولكن ، بعد مرور أكثر من نصف قرن على استقلال الجزائر، فشلت هذه السياسة بالاعتناء بالمواطن الجزائري وتعليمه وتثقيفه وتدريبه على مبادئ الحرية والديمقراطية التي تنبثق من داخله وتحفزه على بذل الجهد والعمل المتقن لبناء الوطن ورفع شأنه بين الأمم . ونحن اليوم نعيش وضعا مزريا على جميع الأصعدة . سلبت فيه حقوق المواطن وغاب فيه الوعي وانتشر الفساد والعنف بكل أنواعه .
ففي هذه الحالة ، نحن في أمس الحاجة للفلسفة ، التي هي شرط من شروط تقدم الجزائر ، ولا يتم ذلك ، إلا برد الاعتبار للفلسفة وجعلها تدرس الواقع الجزائري وللفلاسفة المهمشين والمقصيين من دائرة القرار . على الفلاسفة دراسة الفكر الجزائري بكل مشاربه والخروج بمشروع مجتمع يوفق مابين كل الاختلافات الفكرية والمذهبية ويبنى على قواعد نابعة من طبيعة المجتمع الجزائري للعيش المشترك وفق أسس التضامن ، التسامح ، العدل والمواساة في الحقوق والواجبات والمواطنة .يجب أن يرتكز هذا المشروع على تكوين الإنسان الجزائري في جميع مجالات الحياة ويشجع على ثقافة الجهد والسلوك العقلاني في مجال تسيير الشأن العام للبلاد وحرية الفكر والإبداع.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كاتية بنقانة: التلميذة التي تحدّت الإسلاميين

عمر عبداوي صدر مؤخرا كتاب جماعي باللغة الفرنسية، يتضمن شهادات ومقالات عدد من الإعلاميين والكتّاب، …

شحال مازال الحال

شحال “مازال الحال”؟

حصّة “مازال الحال” اللي تجوز، كل خميس في الليل، على قناة “الجزائرية وان”، واللي راهي …