الإثنين، 17 ديسمبر 2018

هل يوجد هناك أدب للصّحراء في الجزائر ؟

رغم المكانة الأساسية التي تتبوّؤها الصحراءُ الجزائرية ودورها في بلورة ملامح وجه الوطن، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، على جميع الأصعدة؛ علاوة على تواجدها وحضورها القوي من خلال تراث أصيلٍ، متعدد، زاخر ومتنوّع، بلغاته، ولهجاته وثقافاته؛ لكنها تبدو غير متواجدة، أو حاضرة بشكل محتشَم، داخل المشهد الأدبي الجزائري، بهذا الزخم، وهذه المكانة التي تحتلها؛ ما عدا بعض الأعمال القليلة، والتي لا تشكل في اعتقادي عيّنة، حتى لا أقول محاولة تأسيس، لما يمكننا أن نسميه أدبا جزائريا يُعنى بالصحراء : بفضائها، بتراثها، بجغرافيتها، بهموم قاطنيها، بتطلعاتهم، وبصراعهم مع الطبيعة القاسية أحيانا. وعندما نتحدث عن أدب الصحراء في الجزائر، يجب في اعتقادي الأخذ بعين الاعتبار جملة من المعطيات الموضوعية، للاقتراب أكثر من فهم وإدراك الخصوصية السردية لهذا الأدب وملامحه: 

أولا :  لا يعني أبدًا كما قد يتبادر إلى الأذهان لأول وهلة ، أن أدبَ الصحراء، يهمّ فقط الكتّاب والمبدعين القاطنين في هذه البقعة الجغرافية؛ هكذا تبدو الصحراء غائبة تماما، في نصوص وكتابات العديد من الكتّاب الذين ولدوا وترعرعوا في الصحراء الجزائرية؛ ياسمينة خضرا مثلا، الذي ولد وترعرع بالقنادسة في الجنوب الغربي الجزائري، وهو الكاتب العالمي، المعروف عنه غزارة الإنتاج بإصداره أزيد من 40 رواية، سواءً تلك التي كتبها باسمه الحقيقي محمد مولسهول أو باسمه المستعار الحالي؛ بين هذا التراكم المنتَج، والذي للأسف، لا نكاد نعثر على ملامح الصحراء وفضائها في أعماله الروائية؛ إلى جانب كتّاب آخرين، ولدوا وترعرعوا في الصحراء الجزائرية، يعيشون الآن في الغرب، مثل مليكة مقدم، بيار رابحي وغيرهم.

ثانيا : اختيار الإقامة والمعيشة في فرنسا والغرب عموما، لا يعني القطيعة مع الأصل ومع المكان؛ ولعل خير مثال على ذلك الكاتب الليبي إبراهيم الكوني، الذي يعيش الآن، كما هو معروف،  في أوروبا؛ والذي وُلد ونشأ في كنف عائلة من الطوارق في  الصحراء. والحاصل أن معظم أعماله الروائية تتناول الصحراء كثيمة أساسية؛ ولأن تناولَه للصحراء صادقٌ وعميق، استطاع أن ينجح في تأسيس كتابة صحرواية قائمة بذاتها، واستطاع أن يُبلغ صوتَ الصحراء إلى العالم وأن ينجح في ذلك؛ من خلال الترجمات العديدة التي حَظيت بها أعمالُه، ومن خلال أيضا نيلِه جوائزَ أدبية مهمة في العالم العربي وأوروبا.

ابراهيم الكوني

يمكننا أيضا وفي هذا السياق، أن نشير إلى تجربة الكاتب الفرنسي الكبير جان ماري غوستاف لو كليزيو، الفائز بجائزة نوبل للأدب؛ والذي عاش في كنف الصحراء، وأقام بين أهلها، وغامر صوب وديانها وكثبانها الرملية، هكذا كتب عن معايشته بعيدا عن الكتابات الوصفية المبتذلة أو الايكزوتيكية، ليصدر لنا سنة 1980 رواية رائعة، تحمل عنوان “صحراء” Désert؛ وفي سنة 2008 سينال جائزة نوبل للأدب بفضل هذه الرواية، التي اعتبرتها الأكاديمية السويدية أنها تقدم “صورا رائعة لثقافة ضائعة في صحراء شمال أفريقيا”. 

رواية صحراء : لوكليزيو

يمكننا كذلك أن نشير إلى تجربة مهمة جدا،عاشتها الصحفية والرحالة ايزابيل ايبرهارت، التي تركت مدينةَ جنيف السويسرية وعائلتَها الارستقراطية هناك، في محاولة البحث عن عوالم أخرى تتجسّد فيها السكينة الروحية والآفاق الرحبة، عبرت عنه ايزابيل ايبرهارت قائلة: “… سأحقق مشروعا جريئا وهو أن أرحل إلى الصحراء وأبحث عن السكينة وعن المغامرة في آن معا، تلك أشياء تتلاءم وغرابة طبعي… أنا التي لم يسعْها أبدًا العيش الرغيد داخل المدنية الأوروبية…”

هكذا ستقرّر خوضَ مغامرة الصحراء الجزائرية، لتجوبَها ممتطية فرسا، وبلباس رجل بدوي، انطلاقا من الجنوب الشرقي إلى الجنوب الغربي؛ وسرعان ما تكتب نصوصا عميقة عن هموم واهتمامات سكان البوادي والصحراء الجزائرية، حيث استقر بها المقام في العين الصفراء، أين لقيت حتفَها غرقا، إثر فيضان وادي العين الصفراء ذات خريف من سنة 1904، وحيث يتواجد قبرُها إلى الآن في مقبرة المسلمين.

ايزابيل ايبرهارت

ثالثا : الكتّاب الجزائريون المقيمون في الولايات المحسوبة على الصحراء أو المتاخمة لها، قامات أدبية مرموقة لا شك في ذلك، فرضت وجودَها داخل المشهد الأدبي الجزائري ؛ هي أسماء مهمة في الشعر والقصة والرواية، غير أننا نكاد لا نشمُّ رائحةَ الصحراء في نصوصهم ولا نحس بنفحاتها، ما عدا بعض الأعمال الضئيلة، تقف في صدارتها، ربما، رواية الصديق حاج أحمد الموسومة “مملكة الزيوان”، ورواية ” “تنزروفت” لعبد القادر ضيف الله، وربما قصص وروايات أخرى، ولكنها في الحصيلة ضئيلة جدا، لا تتناسب وزخم الصحراء، وامتداد الصحراء وأفقها، ولا تتناسب وإمكانات الصحراء الهائلة، بتراثها الثقافي وبكفاءات مواهبِها وقدراتِهم الإبداعية.

أما كتابات “السياحة الصحراوية”، و”الإقامات العابرة” الناتجة أحيانا عن لجوء قسري نحو مدن الجنوب، لا تعدو أن تكون كتابات عابرة، تكاد تكون ايكزوتيكية؛ لا علاقة لها من قريب أو بعيد بعالم الصحراء، وآفاقه الرحبة.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاب حسني في تسجيل إذاعي نادر

من بين آخر التسجيلات الإذاعية مع الشاب حسني، هذا التسجيل الهام الذي أجراه معه الإذاعي …

التّنمية الثقافية أو "أنسنة" مشاريع التّنمية العربية

التّنمية الثقافية أو “أنسنة” مشاريع التّنمية العربية

بالمعنى التّاريخي، هناك مدن عربية عريقة لا يمكن التّغاضي عن إشعاعها الثّقافي والعلمي، على مرّ …