الإثنين، 17 ديسمبر 2018

كيف جعلت السّلطة من الكاتب بقالاً في معرض الكتاب

د.عمار كساب

عاد الصّالون الدّولي للكتاب في الجزائر (سيلا)، في الطّبعة الثالثة والعشرين، في نفس ظروف الطّبعات السابقة.

لاتزال الدولة المموّل والمسير الوحيد المهيمن عليه، تختار من يحضر وتشطب أسماء كتّاب غير المرغوب فيهم وكذا الكتب التي يمكن عرضها والكتب الممنوعة باسم حماية الهوية الوطنية.

وقام رئيس الحكومة بتدشين الصالون لتكريس هيمنة السّلطة على الكتاب وعلى الفعل الثقافي ككل. وللإصرار على هذه الهيمنة، وُضِع الصالون “تحت الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية”، لتذكير كل من تطأ رجله قصر المعارض أنه تحت رحمة الرئيس الذي يرعاه، من كتّاب ومن عامة الناس من يبحث عن اقتناء كتاب أو سندويتش أو…زوجة!

صالون أو معرض للكتاب حدث هامّ في عدة دول عبر العالم موجّه بصورة خاصة للمهنيين، يسمح للناشرين من كل ربوع العالم بعرض أكبر عدد من الكتب بغرض تسويقها بصورة أساسية بالجملة للمكتبات العامّة والخاصة والمؤسسات والمعاهد والجامعات، التي تقوم بدورها بعرضها أو منحها أو بيعها للقراء.

أما في الجزائر، فصالون الكتاب مناسبة لدور النشر لبيع الكتب تقريبا بصورة حصرية بالتجزئة للمواطنين. وبذلك أصبح السيلا عبارة عن مكتبة خاصة كبيرة، ترعاها السلطة لبضعة أيام حتى تراقب ما يحدث بداخلها. وبالمقابل، تصرّ السلطة على عدم خلق سوق للكتاب، تكون فيها المكتبات الخاصة المسوّق الأهم في سلسلة الكتاب الاقتصادية. ولذلك اختارت السلطة أن تموّل الكتاب، لأنها تستطيع التحكم في مضمونه عبر عدّة ميكانيزمات رقابية يسمح بها قانون الكتاب، وترفض تمويل المكتبات التي تعلم أنها صعبة المراقبة.

وتتجلى هذه الاستراتيجية، ميدانياً، عبر عدد دور النشر في الجزائر الذي يتعدى الألف (1000)، في حين أن عدد المكتبات عبر الوطن لا يتعدى أربعون (40) مكتبة، معظمها متواجد في العاصمة.

وبذلك أصبح صالون الكتاب بالجزائر يُشبه الشجرة التي تغطي الغابة. ودفع غياب سوق للكتاب في الجزائر دور النشر إلى التّنافس في بيع أكبر عدد ممكن من الكتب بالتّجزئة خلال المعرض الدولي للكتاب، فأصبحت كل الوسائل مسموحة للوصول إلى هذا الهدف، حتى وإن استلزم الأمر تجنيد الكتّاب شخصيا، وتحويلهم إلى شبه بقالين، يسوّقون لمنتوجاتهم خلف طاولات العرض، من الصباح إلى الليل، تحت غطاء بما يسمى ﺑ”البيع بالإهداء” – الذي هدفه في الأصل التعريف بكِتاب جديد وليس هدفه بيع الكتاب بالتجزئة ومدة الإهداء لا تتعدى الساعة –، فراح الكتّاب يستجدون القراء لشراء كتبهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، متعهدين أنهم سيكونون في انتظارهم في هذا الجناح أو ذاك من المعرض للتوقيع على كتبهم.

صور الكُتّاب خلف طاولات العرض، في انتظار “الزبائن”، المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي إهانة لهم، أرادتها لهم السلطة التي لا تتمادى في تذكيرهم أنهم “تحت الرعاية السامية”. وستنتهي هذه الإهانة بخلق سوق كتاب تسمح للكاتب بنشر وعرض وبيع كتبه والعيش الكريم منها، سوق لا يكون الكاتب فيها مجبرا على الجلوس ساعات طويلة وراء طاولة حزينة والتوقيع حتى يبيع بعض النّسخ مما كتب.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كاتية بنقانة: التلميذة التي تحدّت الإسلاميين

عمر عبداوي صدر مؤخرا كتاب جماعي باللغة الفرنسية، يتضمن شهادات ومقالات عدد من الإعلاميين والكتّاب، …

شحال مازال الحال

شحال “مازال الحال”؟

حصّة “مازال الحال” اللي تجوز، كل خميس في الليل، على قناة “الجزائرية وان”، واللي راهي …