الإثنين، 17 ديسمبر 2018

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

محمد الأمين سعيدي – شاعر وأكاديمي

(إلى جدي تُّومي سعيدي المكنَّى بهو شي منه)

…كشيوعيٍّ يصبُّ الحزنَ في الأنخابِ، يكوي صدره بالتّبغ، يلقي دمعةً للكأسِ، يعطي شهقة من أعمق الآمال للأوطان؛

أبكي:

1.

جسدي يحسو النّارَ والأوجاعَ في وطنٍ تمتصّ دمه كائناتٌ تستثمر في ماء الوجه، كي تكبر مؤخراتها فلا تقوم من الكراسي حتى تتألم مفاصل الخشب، فتصرخ: قوموا ما أثقل مواقيتكم البائسة.

جسدي هنا يصاب بخلل في منطقه البيولوجي، وهو يرى حديقة الشّباب تبدأ من سنّ السبعين في منطق الشحوم السياسية وجلودها المتدلية المقفرة كالتجاعيد..

يا جسدي المهبولْ…

حسبتكَ تفهم فقه العهر جيدًا.. إنهم ينكحون الوطن.. يحوّلون بيوتنا إلى رايات حمراء خانعة الموقف، يبولون غيما حامضا على رؤوسنا ونحن نتمسّح كطرقيٍّ يمنحه تقبيل الأيادي بانحناءة الخنوع بعض الفرح رغم ثقل صخرة المذلَّة على كتفيه، يجعلون شجعاننا الأشدّاء يصبحون فصيلا من الدواجن.

أبكيكَ زجاجا حتى يفيء الدم

يا جسدي المطلولْ..

2.

شعبًا أفاق على حريّةٍ ذبحتْ بخنجر البطشِ.. يا جرح المساكينِ:

متى غدتْ جمرةُ الأعصابِ باردةً؟! كي تعبدوا الصمتَ في قصر السلاطينِ..

وهل غدتْ وردة الآتي بلا أرجٍ؟! أم قد نسيتمْ هواكم بالرياحينِ..

وكيف تاجر بالنزف الشهيدِ سدًى عصابةٌ من سلالات الملاعينِ..

شعبا يجري في الوهمِ، يقيم على برد الطغيان، فيفقد ذاك الشجر الحرّ النّابت في أرواح الشهداءِ

شعبا ذاق القيد فغنى للسلطان، ونام عن الوجع الوطني، عن الفقراء يشمونَ ثريدا في حلمٍ، لكنْ لن يقضم لذَّتَه جوع الأمعاءِ..

شعبي يهجر حصنَ الصوت ويسكنُ أوكار الأصداءِ…

3.

الطِفلَ النّائم في مرآة الآتي، الغافل عن بلدٍ لا يؤمن بالأمنيّاتِ، القادم صوب حياةٍ شائكة الأنحاءِ، الذّاهب في الوقت ليشتاق إلى رحم الأمِّ الأبهى أو دفءٍ في حضن الأكفانِ

طفليَ إنْ جاء إلى هذا البلدِ السَّجَّانِ…

4.

خوفًا من حبلٍ صار يحدّثني في الليل عن الهجرة عبر نوافذه نحو العدمِ الأرحب، يروي لي قصص الأشباح وحين أكذبه يسألني:

هل تحسب أنك حيّ يا ذا الخزف البشريّ المثلومْ…

فأصدّقه؛

قلبي مثقوبٌ

وعيي مسمول العينينِ

وصدري بالتّبغِ الوطنيِّ هو المخرومْ

5.

أملا ماتَ قديما قبل ولادة عمري

بالوطن النابض كالرؤيا، الواقف كالأمجاد الأولى، الحاضن بؤس الناس وقد صار ذئابا تنهشُ..

أبكي ما عضَّ الزمن الوغدُ من الأكتافِ

فأثملُ حتى أسلو الضوءَ

وتجعلني الغصّاتُ الكبرى ابن الليل الشّارد في الأمصارِ

ابنَ الوطنِ النّائم في أصقاع اليُتْمِ

العائم في النهر العنبيِّ السكرانْ.

مشرية، 01/11/2018

      .

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هالوسين.. أو رواية الجرأة

هالوسين.. أو رواية الجرأة

فاجأ الفيلسوف الجزائري المثير للجدل إسماعيل مهنانة الجميع مؤخرًا، بولوجه إلى عالم الكتابة الرّوائية وإصداره …

حميد سكيف

حميد سكيف: بيم بام بوم

هذا النّص صدر، عام 1971، في أنطولوجيا الشّعر الجزائري، التي أشرف عليها جان سيناك. نقدّمه، …