الإثنين، 17 ديسمبر 2018

ما فائدة السيلا؟

جلال الدّين سماعن

نشر أمزيان فرحاني (وهو واحد من كبار الصّحافيين الجزائريين المهتمين بالشأن الأدبي والثقافي) في جريدة الوطن النّاطقة بالفرنسية مقالا بعنوان: ما فائدة السيلا؟ تطرّق فيه بإسهاب إلى هذا الحدث الكبير الذي ينتظره كل خريف وبشغف زائد عشاق الكتاب والثّقافة من الجزائريين.

يُقرّ فرحاني بأن السّؤال الذي عنون به مقاله قد يبدو غير لائق أو ربما ليس في محله، “لكنه السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح اليوم، لأن الأسئلة الأخرى التي تُطرح عادة متعلقة بشكل كبير به”. يتأسّف لأنه، على حدّ علمه، لا توجد أي دراسة معمّقة قُدمت حول هذه التظاهرة ولم تفكّر أي جامعة أو معهد في كتابة أطروحة دكتوراه أو بحث مستوف عن هذا المعرض. نفس الحال ينطبق على المركز الوطني للكتاب والذي بالرغم من مرور عشر سنوات كاملة من استحداثه لم ينشر شيئا عن هذا الحدث الكبير. الاستثناء الوحيد في هذا الشّأن هو الإسهامات الثمينة والمعروفة إلى حد ما التي قدمها عالم الاجتماع حاج ملياني والذي اهتم بظاهرة القراءة في الجزائر. ما عدا ذلك، “لا أثر لشيء بمقدوره أن يشفي غليلنا بطريقة مقنعة، أي بطريقة علمية، حول طبيعة هذه التظاهرة، ميولها وطموحاتها”، يضيف الكاتب.

شيء غريب حقًا بأن “لا يثير الاهتمام أكبر حدث ثقافي في الجزائر، بل أكبر حدث شعبي في مختلف القطاعات، باعتبار نسبة الإقبال (بمعدل 1,5 مليون زائر في السنوات الأخيرة)، وهذا دون احتساب المكانة التي يحظى بها في قطاع الكتاب، وبصماته في الحياة الاجتماعية بالإضافة إلى آثاره على الصّورة الداخلية والخارجية للبلد”.

يرى أمزيان فرحاني بأنه قد آن الأوان حقا إلى التوقف عن اعتبار السيلا حدثا عرضيا نتحدث عنه بإشادة في المقالات والحصص التلفزيونية بل وحتى منشورات مواقع التواصل الاجتماعي. الأمر أكبر من هذا ويستحق بحق تفكيرًا عميقا وواسعا يفي له مكانته وأهميته. “العنصر الأول الذي يجب النظر فيه هو طبيعة السيلا بحد ذاته. في العالم بأسره، يوجد نوعان أساسيان من معارض الكتاب. لا ثالث ولا رابع لهما. كل معرض يحدد تنظيمه وشخصيته الحدثية نسبة إلى هذين المرجعين. يمكننا الحديث عن معارض محترفة من جهة ومعارض شعبية من جهة أخرى”. لكن، يضيف الكاتب، هنالك نوع يحاول المزاوجة بين النوعين شريطة أن يحدد أهداف كل نوع وأن ينظم نفسه زمنيا ومكانيا من أجل تناغم أكبر في هذا المزج.

أكبر مثال على هذا النوع من المعارض هو معرض فرانكفورت في ألمانيا والذي يمتد عمره إلى أزيد من خمسة قرون، أي مباشرة بعد أن اخترع غوتنبرغ المطبعة! “يحجّ إليه أزيد من سبعة آلاف عارض، ألف كاتب وألف عميل أدبي وحوالي عشرة آلاف صحافي. لكن لا يزيد عدد الزوار ثلاثمائة ألف زائر، أي أقل بخمس مرات من عدد زوار السيلا. […] يدوم هذا المعرض خمسة أيام ولا تفتح أبوابه للزائرين إلا في اليومين الأخيرين (تذكرة الدخول ثمنها 18 أورو) ” يقول فرحاني.

أما فيما يخص المعارض الشعبية، فيمكننا الحديث عن معرض كولكوتا للكتاب في كولومبيا والذي يبلغ عدد زواره 3 ملايين زائر. معارض القاهرة، هونغ كونغ وبيونس آيرس هي أيضا تسجل سنويا أعدادا ضخمة من الزوار.

بعيدا عن عدد الزوار وعن برنامجه الثقافي، يشير فرحاني إلى أن ما يميّز السيلا هو “غياب البعد المهني فيه”. “إذ لا يوجد حيّز ولا وقت للقاءات بين العارضين، وباستثناء بعض المحاولات على شكل محاضرات مفتوحة للجمهور حول مختلف المواضيع، فإنه يمكننا القول بأن للسيلا مكانة ولا دور له في تطوير القطاع”.

لا يمكننا منحه دورا لأنه لم يتم دراسته ولا تحليله كما أن السلطات لم تع الحجم الذي اكتسبه المعرض مع مرور السنين مكتفية ببعض المهام الخالية من أي هدف والتي تم تسطيرها مع بدايات المعرض الأولى، أي في القرن الماضي.

“إن الوسائل القليلة التي وضعت في خدمته إضافة إلى الميزانية الضعيفة والمتناقصة سنويا ومجانية الدخول، كلها أدلة كاشفة عن هذه الوضعية. حطم المعرض رقما قياسيا كونه ربما الحدث الوحيد في العالم الذي يجلب 1,5 مليون زائر والذي تسيره فقط لجنة مكوّنة من محافظ ومن بعض المتعاقدين الظرفيين في حين أنه يجب أن يتم تسييره طوال السنة من طرف تركيبة دائمة مخصصة حصريا له”، يضيف فرحاني.

العنصر الثاني الذي يجب النظر فيه “مرتبط جدا بالعنصر الأول”. “من أين جاءت شعبية السيلا؟” يتساءل الكاتب. شعبية لا يجب أن تنسينا التفكير في سرّ غياب مكتبة محترمة في ولاية مثل ورقلة، عاصمة حقول البترول في الجزائر. ونفس الحال ينصرف على معظم ولايات الجزائر التي تعج حظيرة قصر المعارض بترقيم ولاياتها الثمانية والأربعون! هكذا غدا السيلا نافذة للكتاب في الجزائر ولكن أيضا وفي نفس الوقت صورة معبرة عن معاناته فيها. “غياب أو قلة المكتبات، النقائص المسجلة فيما يخص بالقراءة العمومية (بالرغم من العدد الهائل من المكتبات العمومية التي تم بناؤها) تؤدي إلى تزايد الطلب بشكل رهيب على الكتاب خلال السيلا، في فترة لا تتجاوز العشرة أيام وفي رقعة جغرافية واحدة فقط. وإذا كان مثل هذا الأمر غير عادي فيمكن في هذه الحالة التسليم أيضا بأن الأرض مسطحة! لذلك وجب علينا التفكير في حل لهذا الخلل إذا ما نحن أردنا أن نتقدم في عالم الكتاب وأن نمنح للسيلا المهام والأدوار المنوطة به”، يضيف دا مزيان.

في الأخير، يشير الكاتب إلى أن عدد العارضين والناشرين في تزايد ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. إقبال مرده رغبة في التبادل الثقافي ولكن أيضا في كسب أسواق بيع جديدة. هؤلاء العارضون والناشرون لا يأتون إلى الجزائر كل سنة لولا اقتناعهم الراسخ بأن الجزائريين والجزائريات يقرؤون بعكس الحديث السائد عن نفورهم إلى حدّ ما عن الكتاب.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كاتية بنقانة: التلميذة التي تحدّت الإسلاميين

عمر عبداوي صدر مؤخرا كتاب جماعي باللغة الفرنسية، يتضمن شهادات ومقالات عدد من الإعلاميين والكتّاب، …

شحال مازال الحال

شحال “مازال الحال”؟

حصّة “مازال الحال” اللي تجوز، كل خميس في الليل، على قناة “الجزائرية وان”، واللي راهي …