الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

قراءة في رواية “زوج بغال” للروائي بومدين بلكبير

“زوج بغال”، تسمية تطلق على المعبر الحدودي بين الجزائر والمغرب؛ وبينما ظلّ الطرف المغربي محافظا على التسمية قائمة كما هي، إلى اليوم؛ قامت الحكومة الجزائرية بعد الاستقلال بتغيير التسمية، بحيث أطلقت اسم شهيد الثورة الجزائرية العقيد لطفي، على المعبر الحدودي. هكذا سيثير العنوان انتباه القارئ، بما أن العنوان لا ينفصل عن مكوّنات النصّ ومراتبه، في تحقيق التماسك داخل نسيج النص. ووسط تجاذبات سياسية وأخذ ورد بين الطرفين، لا يزال المعبر مُوصدا في وجه الأشخاص والبضائع، في حين انتعشت تجارة التهريب بشكل جليّ، سخّر لمنعها، دون جدوى، البلدان المجاوران، إمكانات مادية وبشرية ضخمة؛ وبين هذا وذاك، يبدو الشعبان مرتاحين، عن مضض، للتسمية، مادام الوضع باقٍ على حاله، ولا يبدو هناك بصيص أمل في تغييره.

غلاف الرواية

هكذا سيضطر الروائي بومدين بلكبير، إلى وضع مقدمة قصيرة تفسّر العنوان، وتشرح دلالاته الشعبية العميقة، بما يعكس الوجه الحقيقي لانسداد سياسي دام طويلا، سرعان ما طالت تبعاته جارين شقيقين، تجمع بينهما قواسم مشتركة عديدة.

سيتناول الروائي الأزمة إنسانيا، وسيقف بمنأى عن المعالجة السياسية الفجّة، بموضوعية وحيادية؛ لن يتورّط في  تبرير موقف هذا الطرف أو ذاك، سينتصر للجانب الإنساني المغيّب بين ضباب هذا الجفاء الكثيف، والذي لم يعد له مبرر أو جدوى.

ستقوم الرواية على ضمير المتكلم، الذي سيسمح بإتاحة مساحات واسعة للبوح والاعتراف؛ هكذا سيعيش عبد القادر البطل الرئيسي للرواية، ثلاثة عوالم مختلفة، عالمه الأول يتألف من عامة الناس، من الجيران والأصدقاء؛ من هؤلاء الذين يلتقيهم يوميا في الشارع، وفي المقهى الذي يرتاده؛ عالمه الثاني مع “تطوان” المدينة المغربية، التي انقطع حبل تواصله معها منذ سنوات؛ أما عالمه الثالث سيعيشه مع ذاته، التي يصفها “ببئر أسراره الخاصة، سيعود خائبا كل من حاول الغوص في أعماقها”.

د. بومدين بلكبير

كما سيعيش إضافة لذلك، حياة عائلية متواترة، أفرزتها ثلاث تجارب مختلفة في الزواج؛ هكذا سيتزوّج بداية من ابنة عمه، بيد أن الزواج لم يعمّر طويلا؛ الزوجة الثانية توفيت، كلحظة عابرة من شريط حياته؛ لينهي محطته الأخيرة مع زوجته”سكينة” التي ستقاسمه خريف العمر، وقد بلغ به الوهن أشدّه؛ مستسلمة لقدرها، مذعنة لنزقه ومزاجه المتقلب، ذلك أن فلسفته في التعامل مع المرأة، كما خبّرته المحن والتجارب، تنطلق من أنه يجب أن “تظهر للمرأة العين الحمراء، كي تبقى تحت جناحك دوما، ولا تسوّل لها نفسها ذات يوم الطيران خارج سربك، أو التفكير حتى في عصيانك”؛ هكذا كانت لكل تجربة زواج، عالمها المختلف، ليس هناك خيط تشابه يربط بينها.

عاش في ثلاثة أماكن مختلفة، مكان الميلاد والنشأة مدينة تطوان المغربية التي يدين لها كثيرا، لم تغادر صورتها وذكرياتها مخيّلته وروحه، على الرغم من ظلمها ونكرانها له، في أشد لحظات عمره هشاشة، كما يعترف؛ ثم تأتي مدينة تلمسان الجزائرية، ومعها مدينة “مغنية” المتاخمة للحدود الجزائرية المغربية، التي احتضنته بعد أن ضاقت به الدنيا، ولفظه العالم؛ في حين فتحت مدينة “عنابة” في الشرق الجزائري، عينيه على كل شيء. الرقم ثلاثة، سيتكرر معه بشكل غريب، اعتبرها مصادفة ليس إلاّ، وبات راضيا بقدره، خيره وشره. هكذا سينجو ثلاث مرات من موت محقق، خلال ثورة التحرير، وتتحالف ثلاثة ظروف دفعته لمغادرة المغرب والالتحاق بالثورة.

على هذا النحو، تتحوّل الرواية من قصة رجل عاش ثورة التحرير الجزائرية، إلى حياة قائمة بذاتها تتعامل بتناقضاتها مع مصائر شخصياتها، بثنائيات الخير والشر، السلم والحرب، الفرح والحزن؛ سيبرز البطل الرئيسي، بوصفه محور ارتكاز بين جميع المشاهد والأصوات المتعددة.

—–

“زوج بغال”

رواية  من تأليف بومدين بلكبير

طبعة مشتركة: عن دار ضفاف اللبنانية والاختلاف الجزائرية

2018.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

(إلى جدي تُّومي سعيدي المكنَّى بهو شي منه) …كشيوعيٍّ يصبُّ الحزنَ في الأنخابِ، يكوي صدره …

أسماء جزائري تكتب : الدّموع المتألقة

أسماء جزائري   مصابٌ عنوان بيتي بالطلقات الطائشة ينساه المقربون فور خروجهم إلى الشّارع يخطئونه …