الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

أسماء جزائري تكتب : الدّموع المتألقة

أسماء جزائري

 

مصابٌ عنوان بيتي بالطلقات الطائشة

ينساه المقربون فور خروجهم إلى الشّارع

يخطئونه

يطرقون أبوابا أخرى حينما يقصدون الطّرق عليه

وحين يتذكرون بابه

أكون أنا قد تجاوزت كلّ الشّارع

لأتفقّد علبة البريد في مركز البريد

مائلٌ فمي منذ توقفت عن مناداة أسمائهم

وحينما يتّصلون

أكون قد وضعت السماعات لأصغي للأغنيات التّي كنّا نتشارك في حبها

بائتٌ صوتي

كطبقٍ تركه جنديّ على الطاولة

حينما جاؤوا وأمسكوا به

جارحٌ  الفراغ إلى جواري

كالسلاسل الصدئة التّي قيضوا بها شجاعته

وحاد دليل الهاتف

كالرصاصة التّي أطلقوها عليه من الخلف

حينما قالوا له : اعبر الحدود فانك  الآن حرّ

من كلّ الذّين يعرفون

أين يجدونكَ

. . . . .

 

باعت أمّي خاتم زواجها واشترت به لحماً لأجل طهي وجبة عشاء أحرقتها أختي مساء وهي تتحدث في هاتفها عن قضية اختفاء خاشقجي

. . . . .

 

تحفظ النّساء أطباق أولادها المفضّلة

وحين يغيبون طويلاً

تطبخها لتشتم رائحة جوعهم إليها

 

. . . . .

 

ظلّ أباً رائعاً

الرّجل الذي عاش طيلة حياته كميتم

 

. . . . .

أخرجت المدينة يديها من جيوبها

وجلست على الأرصفة

تجمع أسماء أبناءها

من العابرين الذّين  يلقونهم

كالجثث

داخل مقبرة كفها

 

. . . . .

عندما جاء المزارعون بفؤوسهم

لم يجدوا ما يقطعوه

الأشياء أصبحت صلبة للغاية

وأصبحت معها  عضلاتهم كحلوى الكابريس

الرجال توقفوا عن  الذهاب صباحاً لتعديل السواقي

يرتدون معاطفا بياقات مستقيمة بدل القشابيّة

لقد أحرقت المصانع كلّ جذور أحلامهم

وشخرت النّساء على الأسرة الحديدية

وزرعت الفتيات وروداً لطيفة على النوافذ

تعلوها عصافيرٌ داخل أقفاصها

بينما تسلّق الذكور  أعمدة الكهرباء بدل الأشجار

عندما جاء المزارعون ليعلنوا انتصارهم ضد الأسلاك الشائكة

لم يجدوا إلا ما يكرهونه ليحبّوه

. . . . .

 

سالت الشوارع

ذاب الاتجاه

تحوّلت رؤوس الأعلام إلى حبل غسيل

ونشرت عليها المراهقات حمالات صدرها الملوّنة

تألق الخراب

تعرت غرف النّوم من سقوفها

تطايرت ملابس أوقاتنا الداخليّة

تبادل الضحك القبل في الساحة العامة للبكاء

تراشقَ الرّجال بأسماء حبيباتهم السابقات على الخطوط الحربية

وتحوّلت الأمهات إلى عربات

تجرّها أحصنة الدموع

حينما أعلن العالم عن موت شجاعة

البقاء على قيد الحياة

. . . . .

 

كل تلك الأمهات الدافئات المدفونات

إلا أن المقابر لا تزال

باردة ؟

. . . . .

يقولون سنتعوّدُ . . .

حينما تذهبُ الأيام للاصطياف بتواريخ خفيفة على شواطئ الأمس

ولا يسمرّ جلد ذاكرتها من كثرة التعرض للتعب

حينما تتدحرجُ الحوادثُ من جهة الفواجع إلى جهة “القسمة والنصيب”

كأنّما وضعتَ قدراً على منحدر خطير

حينما يعودون لنشر الأحاديث ، ونشر الملابس الملونة ونشر وصفات الطبخ ووصفات العناية بالشعر والبشرة  ورفع صوت الضحكات

سنتعوّد حينما يبدؤون بوضع الأغاني في الأعراس دون أن يلتفتوا لهم داخل عيوننا

حينما يصبح لحزننا مذاق التجاوز على فرح الآخرين . . سنتعود

يقولون مرّ وقتٌ على الخسارة

لكن هل مرّت الخسارة مع الوقت؟

لقد جربنا البكاء من باب الضّحك مع الضّحك

وجربنا وضع أقراط للكلمة الحزينة

لقد أخرجنا الذكريات بفساتين سهرة

وأخرجنا ملابسهم الفارغة  للشوارع وأغلقنا خلفها الباب

لقد أدخلنا الفكاهة المشبوهة إلى غرف نومنا

ونمنا دون أن نضع صوّرهم إلى جوارنا

بل إننا وضعنا جملة”لا أريد أن أنسى” كطبق للتحلية على قوائم الفنادق والمطاعم الراقية

وقررنا السير بكعوبنا العالية بمحاذاة المقابر دون أن نقع من التفاتة

لكننا حينما خرجنا إلى العالم

حينما تماسكنا أمام المتعودين

بكي طفلٌ وحيد في الشارع . .  فالتفت إليه كل الأمهات

 

. . .

 

نسينا

أن نغلق الباب خلفنا حينما خرجنا من البلاد بلا بلاد

لامتنا الذاكرة

نسينا لحومنا بين أنياب الملح وعلى طاولات القمار

لامتنا الجرائد

نسينا آباءنا في الكمائن وأمهاتنا على لوحات بيكاسو

فلامنا الثأر

نسينا عقولنا داخل كيس بلاستيكي في محطة بعيدة بـ”1400 سنة”

لامتنا الجثث

نسينا أذاننا عند أوّل حلاق كلام

لامنا المؤذنون بحي على الصبر

نسينا حقائب يدنا المقنبلة في المطاعم المناسبة

لامتنا أمتعتنا المسالمة

نسينا الكلام في وسط الحكاية

لامنا المسترسلون في الإصغاء

نسينا أن ننام

لامتنا المهدئات

نسينا أن نستيقظ

لامتنا المنبهات

وحين تذكرنا أننا نسينا أنفسنا هنالك . . عندنا

لم يلمنا أحد على أجلنا المستعجل

. . .

 

لم نقل أننا سنعيشُ إلى الأبد

لكننا أردنا فقط أن نموت بطريقة  منسيّة

أن يضعوا لنا سمّا وسط طبقنا المفضّل

أن يجمعوننا مع كلّ من نحبهم داخل سينما مستهدفة لمشاهدة فيلم يحكي عن الاعتزاز بالتضحية

أن يصنعوا لنا أعداءً  ولو مزيفين يقضون علينا في معركة نخوضها بأسلحة فاسدة

أن يغشّوا في اسمنت السكنات،ويرشوا الخضار بالمواد المسرطنة، أن يبيعوننا مركبات بلا أمان ويشيدوا لنا جسورا تنهار من ليلة واحدة ماطرة

أن يوهموننا بالقضاء والقدر بينما يذبحون على باب “وبشّر الصابرين ..” ديكة الأسباب

أن تنفجر أنابيب الغاز الضخمة وتختنق كلّ جيوب الجزائر

لم نرد أن نقول أننا سنعيشُ للأبد

لكننا لم نرد أن نموت قبل الأوان

فقط حاولنا أن يعتاد المتعودون على تعودنا

حين نقول :

لا تطرق . .  بكاؤنا مستيقظ .

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

(إلى جدي تُّومي سعيدي المكنَّى بهو شي منه) …كشيوعيٍّ يصبُّ الحزنَ في الأنخابِ، يكوي صدره …

قراءة في رواية “زوج بغال” للروائي بومدين بلكبير

“زوج بغال”، تسمية تطلق على المعبر الحدودي بين الجزائر والمغرب؛ وبينما ظلّ الطرف المغربي محافظا …