الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

محمد بن جبار ﻟ “نفحة”: المجتمع دخل هستيريا جماعية واستحال الوطن إلى سجن

محمد بن جبار
محمد بن جبار

رواية “هايدجر في المشفى”(دار بوهيما، 2018)، هي نصّ قلق، تخترقه صراعات ومعارك دامية، تصل إلى إراقة الدّماء، في أحيان كثيرة، هي مواجهة صريحة بين أنصار مارتن هايدجر وأنصار مارتن بوبر، بين المثقّف الحيّادي والمثّقف المتحزّب، ويتناوب السّرد، في هذه الرّواية الثّالثة لمحمد بن جبار، بين شخصيتين: عوّاد وناصر، علاقتهما تبدأ ودية، ثمّ تصير إشكالية، وتعود، في الأخير، إلى الودّ، الذي بدأت منه، لا سيّما بعد انتصار الهايدجريين على خصومهم، في معركة دارت بين حيطان مشفى. ويتخذّ الكاتب من هايدجر وبوبر مطيّة ليُحيل القارئ إلى واقعه الجزائري، وإلى أسئلة عالقة حول الكتابة وصعوبات الانتماء وامتلاك هوية ثابتة.

  • لماذا اخترت المواجهة بين هايدجر وبوبر؟

محمد بن جبار: ما نراه اليوم هو عبث سياسي واضح المعالم؛ أحزاب كارتونية فارغة من أي محتوى إيديولوجي وليس لها مشروع مجتمع حقيقي. يُشعرني ذلك بالخطر الماحق الذي يُصيب الأمة وانعكاسه على المشهد السّياسي فنتج عنه تدهورا غير مسبوق، لا يوجد استثناء في السّاحة السياسية، هي مجرد دكاكين دعارة للحصول على بعض الامتيازات المادية في استحقاقات موسمية نتائجها معروفة مسبقا لصالح المال والعسكر، فعندما نسقط الصّراع/ المواجهة بين هايدجر وبوبر هو سخرية من هذه الأحزاب العقيمة، محدودة الفكر والأفق. حتى المواجهة بين أطراف الصّراع تخلو من المثاقفة الذي يغني الأفكار والفلسفات، كل ما هنالك هو خطاب ضحل وسطحي يخاطب القبيلـة و “الشكارة” والنفوس “السّاذجة”، التي هي غالبا وقود الحملات الانتخابية.

رغم كل هذا الخراب السّياسي، هناك ملامح لصراع بدائي بين قوى سياسية تجنح نحو “عسكرة الحياة المدنية” وأخرى نحو الليبرالية المتوحشة التي تنخر الإنسان والاقتصاد والثّروة و فوق ذلك هناك سلطة أعلى توجه هذا الصراع صوب ما يخدم مصالحها.

  • هايدجر واحد من الفلاسفة الإشكاليين، ليس من السّهل قراءته، أو التّماهي مع نظرياته، في الجزائر، هل تودّ القول أننا نُدافع عن قضايا، فقط من باب الحماسة، دون أن نفهمها؟

محمد بن جبار: قرأت كتاب “الكينونة والزّمن” لهايدجر أكثر من أربع مرات و لم أفهمه جيّدًا ولا أظنّ أن هناك من الفلاسفة العرب من يفهمه باستثناء بضعة أساتذة قرأوا أعماله بلغته الأم “الألمانية”، أكثر ما فهمته من فلسفة هايدجر يرجع الفضل فيه إلى شروحات الفلاسفة الأوروبيين أو المتخصصين في فلسفته، هايدجر صعب للغاية و حتى ترجمته للعربية هي مغالطة فلسفية مقبولة.

في المقابل، لا يُمكن فهم “السّياسة” في بلد مدجّج بتاريخ إشكالي يسير في طريق مجهول، المجتمع دخل هستيريا جماعية واستحال الوطن إلى سجن أو مشفى كبير جدا، المشاكل الموجودة هي مشاكل مستحدثة لإطالة عمر الصّراع الضامن لبقاء السلطة/ النظام. الهايدجرية قبل أن تكون رؤية فلسفية محضة فهي رؤية سياسية تفسر الهيمنة السياسية والثقافية بشكل من الأشكال. أما أن نفهم هايدجر أو لا نفهمه تلك قضية أخرى تمامًا.

  • هناك حركات متطرّفة استعانت، تاريخياً، بهايدجر لتبرير العنف، وأنصاره في المشفى أيضاً لا يتورّعون في اللجوء للعنف..

محمد بن جبار: هايدجر كان منسجمًا مع فلسفته عندما تبنّى النازية وتبنّى خطابها وهذا من صميم الفلسفة الألمانية الحديثة التي تتماهى مع خطاب القوة. في الأماكن المغلقـة، مثل السّجون والمشافي والبيئات القمعية، تتجلى “فلسفة هايدجر” في الكثير من ملامحها. هناك أسئلة محدّدة على النزيل أن يُجيب عليها بدقّة، لأنها مسألة وجودية وتتعلق بمصيره الإنساني ووجوده، العنف هو محصلة لوضع وجودي قاس، وتعبير لحركية تاريخية حتمية أمام انسداد التاريخ، نحن نعيش وضعا تاريخيا غير مسبوق سوف يترجم في أحداث لا يمكن تفسيرها إلا بالعودة إلا الفلسفة نفسها، السياسة استنفدت كلّ ما لديها.

غلاف الرّواية
غلاف الرّواية
  • يقول عوّاد في الرّواية: “وأنا في هذه الزّنزانة، عرفت أن لكلّ شخص في هذه الحياة حربه الصّغيرة”. فماهي حربك أنت؟

محمد بن جبار: الخلاص الوجودي. الكل يبحث عن الخلاص بطريقة أو بأخرى، قد يُولد “الشخص” وارثا لكم هائل من الأعباء والتكاليف، يقضي حياته كلها في التّخلص منها، كل الطرق تؤدي إلى الجنون، ما نراه من رباطة جأش وتعقّل هما محض تمويه لإخفاء الجنون. جانب من تصرفاتنا في حياتنا اليومية هو الجنون نفسه، يمكن أن ترى بأم عينيك السعار الذي يصيب المجتمع وهو يتعامل مع قضايا بسيطة، السلطة استثمرت في الجنون وبإمكانها زيادة الجرعات اليومية (الأمل/ اليأس) أو التقليل منها حسب توجهها العام.

  • هل استعارة المشفى كمكان تدور فيه الأحداث، وتُقرأ فيه الفلسفة إشارة إلى أن الفلسفة لم تعد في مكانها الطّبيعي؟

محمد بن جبار: البيئات المغلقة يمكن رصد سلوكياتها وتصرفاتها وتوجهها وإيديولوجيتها، الفلسفة أصبحت – أكثر مما مضى – الأداة الأكثر نجاعة لتحليل الأفكار والعقائد والأكاذيب والخطاب السلطوي مهما كان مصدره.

  • من بداية الرّواية إلى نهايتها، تُصادفنا حروب ذكورية، شخصيات رجاليّة، لا أنثى واحدة تتسلّل إلى النصّ، لا صوت يصدر منها، سوى عند محاولة التّحرّش بابنة عوّاد. لماذا؟

محمد بن جبار: نحن أبناء مجتمع ذكوري، نتصرّف تصرفات معينة تجاه المرأة، لم نمتثل بعد فكرة “المساواة” والتّسامح في التّعامل معها في مختلف مناحي الحياة، هناك ترسب وإرث تاريخي وأنثروبولوجي ضخم يضع التمييز والوصاية عليها، ففي حروبنا وصراعاتنا المستمرة لا تتحوّل إلى طرف صراع بل إلى موضوع صراع، فالجنون في مختلف تمظهراته الدينية والمجتمعية أغلب ثيماته المرأة. في البيئات القمعية المغلقة لا دور للمرأة بل هناك تشييء لها وتملّك لها، هنا تبرز أهمية الحماية المفرطة لها.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عمار بلحسن

عمار بلحسن: نموذج المثقف النقدي المستنير

  خمس وعشرون سنة تنقضي على رحيل الكاتب والباحث عمّار بلحسن، الذي قدّم أعمالا إبداعية …

عمار بلحسن

شعرية القصّ في مملكة السرد عند عمار بلحسن

عبد القادر ضيف الله الحديث عن الشعرية عند عمار بلحسن، هو حديث عن جمالية عالم …