الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

قراءة في رواية ” ليندة” للكاتب محيي الدين بريزيني: حفر في جماليات المنجز الموضوعاتي

د. عبد القادر ضيف الله

تمهيد

ـ ” هكذا اشتهرت السيدة منى، بذوقها الرفيع، وحسن ترتيب الأشياء وبتفضيلها اللمسة الرومانسية في تحضير احتفالية عيد الميلاد، كانت تمثل زمنا يبدو قد ولى، حيث كل شيء يتم في ذوق رفيع وعناية خاصة” ص. 22

ـ ” يمكنك أن تطرد إنسانا من بلده، ولكن لا يمكنك أن تطرد بلدا من قلب إنسان”.

أردت من خلال هذين الفقرتين أن أضع  القارئ في صُلب المنجز الموضوعاتي  في هذه الرّواية ، ومن ثمة تتبع ما صنعه هذا المنجز من جماليات منحت السرد قدرة على جعل النص قابلا للحوار مع القارئ  من خلال  المتعة والتشويق  الناتجين عن  ممارسة  فعل القراءة، لهذا لن أتحدث في هذه الورقة البحثية عن الرواية بصفتها جنسا أدبيا  فنيا ينزع نحو التشكيل الفني، الذي يميز الرواية كما عرفت به سواء في فترة وجودها الكلاسيكي أو الحديث،  بل سأركز على جماليات تضامت مع السرد، عبر خصائص فنية أثارتها المواضيع والأفكار  التي طرحتها  الرواية، والتي أراها مهمة  وقد أطلقت عليها مصطلح المنجز الموضوعاتي، وهي تتمثل في عنصرين اثنين هما :

1ـ   المكان / الصحراء مقابلا للحياة.

 الشخصية  التي (سنقاربها من حيث الحالة النفسية والإنسانية، ثم كقيمة تحتفي بالحياة مقابل الموت في الرواية).

في رواية محيي الدين بريزيني ” ليندة ” الصادرة حديثا في نسختها العربية عن دار النظر  للنشر والتوزيع وهران  2018، ترجمة الأستاذ عمير بوداود؛ بعد صدورها الأول باللغة الفرنسية، بنفس العنوان ” ليندة” وعن نفس الدار سنة 2017 و بنفس الصفحات  تقريبا 189، أما باللغة العربية، فعدد صفحات الرواية 179 صفحة من القطع المتوسط وباختلاف طفيف في صورة الغلاف .

غلاف الرواية

في موضوعة المكان التي تأخذ مساحة كبيرة من السرد، عبر الوصف أو الحالة النفسية التي يعكسها على الشخصيات يقلب محي الدين برزيني  هذه الموضوعة  النمطية  للمكان الصحراوي، و التي نعرفها عن الجنوب بعدِّها مكانا خاليا وغير قابل للحياة، إلى مكان له جاذبية ومغناطيس، وباعث على الحياة، وهذا ما نجده منذ العتبة الأولى التي تحيل عليها صورة الغلاف، كما نجد فيها احتفاء خاصا بالأنثى، من خلال ربط علاقة  تُحيل عليها مجموعة الرموز التي يمكن أن نستشفها من خلال صورة الأنثى الصحراوية، كما هي مبيّنة في صورة الغلاف. في الصورة تظهر لنا أنثى  بلباس تقليدي،  في يديها رڤوم من خطوط الحناء، وهذه الحنّة هي تقليد صحراوي، نجده منتشرا كزينة تمارسها المرأة الصحراوية  في المناسبات والأعراس، وهذا ينطبق أيضا على رمز اللباس : اللباس الأبيض الذي ترتديه المرأة في الصورة، لتحيل  في النهاية  على عروس مكتملة الزينة، الشيء الذي يضعنا أمام نص  يحتفي بالأنثى، وهذه علامة تجعلنا نتوقع أن المتن سيكون  عرسا  للأنثى؛ هذا من جهة ومن جهة أخرى،  يربط الروائي محي الدين بريزيني  صورة  المرأة في الغلاف برموز أخرى تتعالق من خلال اللون،  لون الرمل السابح  وراء الواحة الخضراء، ثم بعدها يأتي التدرج على مستوى البنايات أو السكنات التي تبدو صغيرة، وهي في النهاية  إحالة  منظر حقيقي لمدينة سنكتشف أنها مدينة العين الصفراء؛ أي أن الرمز الذي يريد إيصاله الكاتب يتعلق  بالاحتفاء بالمكان من  صورة جميلة مأخوذة للمدينة، تبرز ذاك التلاحم والتنوع البيئي، فهناك رمل وهناك خضرة، و بنايات ولون أزرق ليلي يمثل الجبل، الذي يعانق زرقة السماء.

نشير هنا أن صورة  غلاف الرواية المترجمة التي نقاربها، تختلف بعض الشيء عن صورة الكتاب باللغة الفرنسية التي كُتب بها؛ الغلاف في الكتاب المكتوب بالفرنسية يُحيل على صورة صحراء ظاهرة، مع الإبقاء على صورة المرأة، مع حضور واضح أيضا لقافلة من الجِمال، تمكر بمحاذاة  قصر طيني في آخر الرسم، هذا القصر  يتلاقى في النهاية  مع زرقة السماء، التي يتخللها بياض الغيم  مع كثبان الرمال التي تحيط بالقصر. هذه الصورة تُحيل على عمق الصحراء وهي مختلفة بعض الشيء عن صورة الغلاف التي تناولناها بالدراسة، والتي تحيل على مدينة معروفة هي مدينة الكاتب أو السارد وحتى البطل.

في صورة غلاف رواية ” ليندة” احتفاء جلي بالأنوثة، كما  قلنا، وارتباط عميق  بالصحراء التي ستصبح من خلال الموضوعة التي يطرحها محي الدين بريزيني  تعني ملاذا  للأنثى، التي  أطلق اسمها على الرواية. فعنوان الرواية الذي اتخذه الروائي  اسما لعلم مؤنث “ليندة”  يُعدّ عنوانا جامعا لأكثر من 170 صفحة ، سيتبادر للقارئ منذ الوهلة الأولى عند التقاء به كعتبة أولى سؤالا مهما : من تكُون هذه المرأة؟ ولماذا تحتل هذه المكانة المميزة في هذا العمل الإبداعي؟

أكيد أن  هذه الأسئلة ستبقى معلقة،  إلى أن يجيب عنها المتن؛ رغم أن صورة الغلاف كانت تبدو كافية على الأقل، لقول شيء ما قد يجيب على  التساؤل المهم للقارئ؛  وهو يتساءل عن العلاقة التي يمكن أن توجد  بين الصحراء كموضوع، وهذه المرأة ذات اللباس التقليدي الصحراوي، والاسم غير العربي لأن اسم “ليندة” كما يعرّفه قاموس المعاني، هو اسم أعجمي اسباني  وليس عربيا، ومن معانيه :  الرقة والجمال، والأناقة والحكمة، لكنه صار مع  الوقت اسما متداولا في مدن الشمال وليس في الصحراء .

وبالتالي سيكون السؤال الجوهري في هذه النقطة هو : ما علاقة  ليندة بالصحراء؟

في العتبة الثانية وهي  المتعلقة بما  يسميه جرار جينات، المناصات، التي تبدأ من الإهداء  أو الصفحات التي تأتي عادة  قبل المتن . نجد في رواية “ليندة” لمحي الدين بريزيني، افتتاحية خاصة بعبارة  أو حكمة  لشاعر فرنسي معروف هو  ألفريد دي موسيه ( 1810ـ 1857) المعروف بشعره الرومانسي الحزين، يقول ألفريد دي موسيه في هذه العتبة :

” الشيء الجميل  الوحيد، الذي بقي لي من هذا العالم ، هو أنني بكيت في بعض الأحيان “  .

بعد هذه العتبة تأتي عتبة الإهداء، هي نص مواز آخر، يُقدّم فيه الروائي إهداء عمله إلى كل فتاة رحلت عنها أمها  يقول:

” إلى كل فتاة توفت عنها أمها، وربما تجد منها شيئا في شخصية ليندة بطلة القصة ، كانت تعشق مدينة العين الصفراء، ذلك أن هذه المدينة تجذب مثل المغناطيس كل من زارها. انبهار ليندة يتقاطع مع مشاعر الحب، التي كانت ليندة تبديه لكريم، وهو طبيب شاب ينحدر من هذه المدينة الساحرة، من مدينة العين الصفراء. “

هذه العتبة كما تحيل عليه كل كلمة يقولها الروائي تفتح لنا صورة مهمة عمّا ينتظرنا في المتن، أي أننا سنكون أمام علاقة حب وفي الوقت نفسه علاقة تجمع بين المكان والأنثى، وفي الآن نفسه هي صورة لعزاء خاص لغياب أم ، وإن كان الإهداء الخاص موجها مباشرة  لكل فتاة، فإنه رغم ذلك يتخذ صورة عتبة تنفتح على ما تؤول إليه القصة، التي سيرويها الراوي داخل المتن .

في العتبة الثالثة، نجد صورة فوتوغرافية لفتاة، وهي ابنة الكاتب  التي رحلت في ريعان شبابها اسمها ” دنيا زاد بريزيني “.

هنا إهداء خاص آخر موجها لها  يقول فيه :” أهدي هذا العمل ، إلى ابنتي دنيا زاد، وهي أم لطفلة جميلة عمرها تسع سنوات، تسمى ليلى، توفيت دنيا زاد في عمر الزهور، بتاريخ جانفي 2017 “

إذن نحن أمام نص، يُعدّ بمثابة عزاء لفقد كما يوضحه مناص الإهداء،  وهذا ما يجعلنا نطرح التساؤل  التالي عن علاقة هذه المناصات بالمتن:

هل سيكون هذا العزاء مربوطا بأحداث القصة التي سيقدمها السارد، أم سيتعلق بالموضوعات التي ستنجز  داخل المتن، بصورة أخرى هل يتعلق العزاء بالحكي أم بالخطاب، إذا كان الحكي متعلقا بالقصة،أي متعلقا بالموضوعة التي تخبر بها القصة أما الخطاب فهو الطريق التي ستسرد بها هذه الحكاية أو القصة ؟

بعد قراءة المتن سنكتشف أن هذه المناصات المتعددة، لم تكن قد وضعت هكذا دون أن يكون لها دور مهم في إبراز جمالية المنجز، الذي أردنا في البداية مقاربته، لهذا يمكن القول إن الروائي محي الدين بريزيني قد  نجح إلى حد كبير في استثمار هذه العتبات لأجل جذب انتباه القارئ، ومنحه الكثير من مفاتيح النص وقد أبقى مفتاحا واحدا، هو الخطاب، وهو ما تعلق بطريق الحكي أو طريقة طرح تلك الإشكالية المتعلقة بالسؤال الجوهري  الخاص بعلاقة المكان بالأنثى،  والذي جاء في سياق سؤالنا في العتبة الأولى. أي أن الموضوعة المطروحة  في الرواية تجعلنا أمام رواية تنتصر للمكان  وتحديدا للصحراء كملاذ  للبطل، حيث لا يكتفي  محي الدين بريزيني برسم الصحراء كما نراه عادة في  الكارت بوسطال لجلب السوّاح، ولا حتى ذاك السرد الذي يصف فيه  المناطق السياحية للمدينة الصحراوية، لكنه يرسم وجها آخر يتعلق  بالعلاقات الإنسانية، تلك العلاقات التي تجذب مثل المغناطيس زوّار المدينة، مثلما فعلت مع البطلة ليندة، التي  عشقت المدينة  بعدما أحست بأن شيئا ما قد تغير في مزاجها ونفسيته الحزينة، بعد أن عاشت ظروف  سيئة في مدينة وهران  منذ رحيل أمها السيدة “دنيا زاد” .

يقول السارد ” كانت تشعر بنبض أحاسيسه الحيّة. شيئا فشيئا بدأت تستعيد توازنها. كريم  كان محقا عندما قال لها أن الوسط الطبيعي يؤثر ايجابيا على الحالة النفسية للشخص. كانت في حاجة إلى أشياء أخرى، إلى أشياء جديدة تنسيها فقدان أمها. أشياء بسيطة تساعدها في التصالح مع نفسها في أن تجد شخصياتها، التي تبدو أنها وجدتها في العين الصفراء” ص.105

يحاول محي الدين بريزيني من خلال العديد من الفقرات التي  تتحدث عن علاقة الشخصيات بالمكان، أن يقدم  نصا مختلفا ، يقف ضد الموت وينتصر للحياة  لكن بصوّر بعيدة عن النمطية، التي نعرفها والتي تجعل الحياة دائما مرتبطة بالمدينة وبالبحر، وبتوفر كل الضروريات التي يحتاج إليها الإنسان ، في رواية “ليندة”  يثير  المكان الآهل بالسكان وبالحركة التي تسبب الكآبة والحزن، نوعا من العلاقة  قد تكون منفرة، تجعل من الشخصيات يعيشون عزلة، وفردانية؛ وهذا ما تعكسه مدينة وهران على شخصيات الرواية، خاصة شخصية البطلة ليندة، بعكس مكان الصحراء الذي تمثله مدينة العين الصفراء، ذات الزوابع الرملية والحرارة المرتفعة؛ و في الوقت نفسه ذات الجمال الطبيعي والطيبة والكرم التي يتصف بها الأهالي، حتى أن البطلة تجد أن لا وجه للمقارنة بين الشمال والجنوب  كما تقول : ” ليس هناك وجه للمقارنة، بين الشمال والجنوب. أماكن مثل العين الصفراء ، مغرار ، تيوت بدا لها أنها متواجدة في مكان آخر .”  ص 120 .

كما يصفهم السارد :  حالة من العشق وحالة من السعادة أو يجعلها تجد السكينة مثلما حدث مع ليندة التي توفيت أمها، السيد دنيا زاد في حادث سيارة مؤلم ، الشيء الذي جعلها تعيش حالة تشتت، فقدت فيها الرغبة في أشياء كثيرة، حتى أنها لم تعد  تعرف كيف ستجيب صديقها كريم الذي وقف معها في محنتها، وهو الذي كان يحاول التقرب منها ، تشعر  ليندة بأنه الرجل المناسب لها حينما تزوره وتتعرف على أهله وعلى  مدينته الصحراوية، التي تروقها وتشعرها بالأمان فيها عكس مدينة وهران التي تمثل الغربة والسرعة والأنانية والحزن  يقول السارد ” كانت تخشى وهي تعود لوهران أن تعود لممارساتها السابقة، و تغوص في الحزن. هكذا تمضي الأيام في اللامبالاة، وفي نسق منظم بأجوائه الحزينة والفراغ ” ص139.

يمكننا أن نمثل لهذه العلاقة الثنائية التي يخلقها الموضوع الموت والحياة من خلال المكان  عبر المربع السيميائي  لغريماس، الذي يعتبر النص شبكة من العلاقات  والعمليات التي تنظم النص السردي، ومن خلال هذا التصور ستشف أنه لا يمكن  استخراج المعنى  إلا بكشف شبكة العلاقات  القائمة في صلب النص  وحدات النص .بربط الوحدات السردية وفق الغايات المقصود بلوغها. لأن جوهر الدلالة  وعلاقتها بالخطاب الأدبي علاقة توليدية، حيث يكون المعنى  رهين ديمومة النص، أي البنية المتكاملة المغلقة التي تحكمها عناصر داخلية منفصلة عن العوامل الخارجية، حيث تتحرك وتتنوّع ضمن محاور دلالية بحكم امتلاكها الطاقة على تغيير الدلالات الأصلية المشحونة فيها.

إذا كنا نعتقد في العادة، أن دلالة كلمة الشمال تقابلها دلالة الحياة، بمعنى الرفاهية والسعادة والبحر، وتوفر كل الضروريات التي يحتاجها الإنسان ، وبالمقابل دلالة كلمة  الجنوب تمثل الصحراء، وتعني الحرارة المرتفعة والزوابع وغياب الحياة . في رواية ” ليندة” سنجد الأمر مختلفا، سيصبح الشمال الذي تحيل عليه  مدينة وهران مكانا مقفرا ومنفرا للشخصيات وباعثا عن الحزن والكآبة، أما الجنوب أو الصحراء الذي تمثله مدينة العين الصفراء وضواحيها فهو مكان للكرم ولجمال الطبيعة وللسعادة؛ حتى أن الشخصية الرئيسية في الرواية تتمنى أن تعيش كل حياتها  في الصحراء التي تشعر بأنها الملاذ، وسيكون لهذا المكان دور كبير في  قرارها بالزواج من كريم الشخصية المحورية، التي تلعب دور عامل مساعد على تعميق هذه الدلالة .

هذا إذن ما جعل الموت ومدينة وهران  هما العوامل المضادة لغربة البطلة، في مقابل الصحراء ، الحياة، الملاذ هي عوامل مساعدة للبطل.

يمكن أن نقول في النهاية وباختصار دون أن نتعمق في المعاني الكثيرة التي قد يحيل إليها المكان، وقد تحيل إليها دلالة الشخصيات وعلاقتها بالمكان، أن رواية  “ليندة” لمحي الدين بريزيني رواية تنزاح نحو الإنساني على الرغم من  بساطة الطرح الذي يعتليها، إلا أن الرموز المتعددة بداية من رمزية المكان إلى رمزية الأنثى،  الشيء الذي  أعطى المتن صورة مغايرة، جعل من النص نصا ثريا وذا أبعاد جمالية، تؤسس لها الموضوعات المنجزة، قبل بنية الفنية التامة لهذا الجنس الروائي .

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

(إلى جدي تُّومي سعيدي المكنَّى بهو شي منه) …كشيوعيٍّ يصبُّ الحزنَ في الأنخابِ، يكوي صدره …

قراءة في رواية “زوج بغال” للروائي بومدين بلكبير

“زوج بغال”، تسمية تطلق على المعبر الحدودي بين الجزائر والمغرب؛ وبينما ظلّ الطرف المغربي محافظا …