الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

شاهدني كي تشمّ رائحة الجنّة

سعيد خطيبي

في الماضي، كان الأئمة مُسالمون، يعيشون على الكفاف، ولا يرفعون صوتهم قطّ، والآن، صار أئمة يركبون سيّارات رباعية الدّفع، ويصرخون في وجوه المارّة أو أمام المُشاهدين في التّلفزيون.

مرّ زمن كان فيه الإمام يحفظ القرآن، ويُقيم الصّلاة، ولا يُجادل ولا يتكلّم سوى عند يسأله أحد ما، وجاء زمن صار فيه أئمة لا يحفظون القرآن، ولا يعرفون أين القبلة، ولا مؤهّل لهم سوى تملّقهم لفلان أو علان، ويُجادلون ويتكلّمون، في كلّ شيء؛ في السّياسة والاقتصاد، الكرة وأحوال الطّقس، يوزّعون فتاوى في أنواع حمّالات الصّدر، أو الماكياج، أو طرق مشي المرأة في الشّارع، ويدّعون امتلاك علم يمنحهم الحقّ في التّفريق بين البيضاء والسّمراء، وبين الطّويلة والقصيرة.

إنه زمن أئمة الفليكسي، الذين كلّما فررنا منهم، طوّقونا بحبل فتاويهم.

منذ 2011، وانفتاح السّمعي والبصري، في الجزائر، وتكاثر التّلفزيونات الجديدة، مثلما تتكاثر الأرانب، شرعنا في اكتشاف مذيعين جدد، ومعهم مُحلّلين مختصين في كلّ شيء، يناقشون واقهم بلغة قرون ماضية، وهو أمر متوقّع، فالفضائيات الخاصّة أمر مُستحدث، لم نتعودّ عليه، ومن الطّبيعي أن يركض إليها كثيرون، من أجل ركوب الموجة، والظّهور في الشّاشة، لكن الشّيء الآخر الذي حمله الانفتاح السّمعي البصري معه، والذي قد يُخلّف أزمات، وخلافات، تزيد في التّفريق بين الجزائريين فيما بينهم، هو ظهور جيل جديد من المُفتين، وهم في الحقيقة ليسوا سوى أئمة، أو ما شابه، هرولوا، مثل غيرهم، للظّفر بكرسي أمام كاميرا، ومعه راتب جيّد، ويقضون يومهم في بصق الكلام، وفي التّماهي مع كلّ القضايا، فقد وهبهم الله من الحكمة ما لم يهبه نبيه سليمان.

كلّ واحد من فقهاء التّلفزيون الجدد يحمل هوية مختلفة، ويحاول أن يظهر في ثوب مختلف، كي لا يخلط المُشاهد بينه وبين فقيه على فضائية أخرى، لكن الشّيء المشترك بينهم، هو اتفاقهم في الصّراخ، في النوّاح أحياناً، كما لو أنهم في تحدي: من يصرخ أكثر يكسب من المشاهدين أكثر.  لا نجد في كلامهم ما له علاقة بالحجج ولا بالعقل، فهم لا يقرؤون سوى نوعاً واحداً من الكتب، ولا يشتغل عقلهم سوى بما حققه برنامجهم من مشاهدة، يجلسون، في الشّاشة، وقد حفظوا، على ظهر قلب، ما وجب عليهم قوله، وينمقون كلامهم بحشد من آيات ومن أدعية، لمغازلة عقول المتفرّجين، ينصبّون أنفسهم كما لو أنّهم سلم للوصول إلى السّماء، كما لو أنهم هم حملة مفاتيح الجنّة، وبالنّظر إليهم قد نشمّ شيئاً من رائحتها.

إن أئمة التّلفزيون، الذين تحوّلوا إلى دعاة، وراكموا شهادات في لعبهم على أحاسيس المواطن، أولئك الذين كلّما صادفناهم، سارعنا إلى خفض صوت الجهاز، كي لا يخترق صراخهم طبلة الأذن، يعينوننا – فقط – على فهم لماذا فشلت المساجد في لعب دورها في الحدّ من التّطرّف العقائدي، فمع تواصل “بزار” الحديث باسم الدّين، لاستغلال الفراغ، نطرح من جديد السؤال: ما هي أهميّة كلّ هذه المساجد في الجزائر؟ أليس من النّافع أن نحوّل بعضاً منها إلى مراكز إيواء، يلجأ إليه المحرومون، أو إلى مستودعات، في الشّتاء، أفضل من أن تملأ المكان، بلا فائدة، وتستنزف كلّ عام فواتير ثقيلة من الطّاقة؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

وهران وأسطورة الدوزيام باري

حمزة بن قسمية كانت السّاعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل وبضع دقائق عندما ألقى …

الثورة التحريرية وخدماتها الصحية المتطوّرة

صدر حديثا، عن دار “هومه” للنشر بالجزائر، كتاب تاريخي، يحمل عنوان : “الخدمات الصحية أثناء …